هل نجح مجلس الشعب في تفكيك قنبلة "المرسوم 16"؟

aliwaa

أسلوب حياة ١٠ أكتوبر ٢٠١٨ |خاص - روزنة
مر على تاريخ سوريا المعاصر العديد من الحركات والجماعات الاسلامية المختلفة الأهداف منذ عام 1930 وحتى الوقت الحالي.
 
ويمكن القول أن جمعية الهداية الإسلامية هي أول جمعية اسلامية في سوريا تأسست بدمشق عام 1930 عن فكرة الشيخ علي الطنطاوي وتجربة سبقتها في مصر أسسها محمد الخضر حسين، وبدأ بعد ذلك ظهور جمعية التمدن الاسلامي والتي تأسست في دمشق عام 1932، بدعوة من أحمد مظهر العظمة ويرأسها حالياً أحمد معاذ الخطيب الحسني.
 
ورغم وجود تيارات وحركات مختلفة إلا أن الصدام الاكبر كان مع جماعة الاخوان المسلمين في سوريا في عام 1981، في الوقت الذي استمر فيه وجود حركات وجماعات اسلامية حتى تاريخ 2011 خارج حلبة الصراع مع السلطة.
 
و مع وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، لوحظ تقارب حذر للنظام من الرموز الدينية التقليدية، كما فعّل نشاطات معاهد تحفيظ القرآن، وسمح بافتتاح معاهد شرعية للذكور والإناث بشكل موسع مع الاحتفاظ بسياسة التحكم وبسط نفوذ الأجهزة المخابراتية على نشاطات المدارس الدينية المختلفة في سورية.
 
وحسب دراسة مركز جسور للدراسات، كان لجماعة القبيسيات نصيبها من تلك الانفراجة بعد أن فتح لها النظام المجال العام وقدم لها مساحة من حرية التحرك وممارسة النشاطات الدينية والاجتماعية والدعوية، متكئا بذلك على علاقة جيدة مع أبرز المشايخ وعلماء الدين المشرفين عليها.
 
وبعد عام 2011، انقلبت بعض الجماعات الدعوية على النظام، كمعاذ الخطيب والأخوين اسامة وسارية الرفاعي وغيرهم.
 
وفي سياق الظرف الحالي الذي تعيشه البلاد، حاولت وزارة الأوقاف في حكومة النظام تمرير مرسوم قانون ال 16 المتعلق بتحديد مسؤوليتها المباشرة عن الخطاب الديني ومتابعته داخل سوريا، إلا أن عاصفة من الرأي العام واجهت المشروع المطروح قبل التصويت عليه من قبل مجلس الشعب يوم أمس.
 
يقول الدكتور والباحث الاسلامي محمد حبش لروزنة، أن مؤسسة الأوقاف تهيمن على الخطاب الديني ورجال الدين الذين يعملون بها محكومون بتوجيهات وزير الأوقاف، و وصف المرسوم بقانون سيطرة كاملة على الخطاب الديني مضيفاً أن هناك أكثر من مادة في القانون تتجاوز حتى موظفي الأوقاف " تفرض بعض الالتزامات على الناس الذين لا ينتمون لوزارة الأوقاف، و يتضمن قمعاً وحجزاً للحريات وسيخلق مضاعفات اجتماعية خطيرة جداً".

و أكد وزير الأوقاف في حكومة النظام محمد عبد الستار السيد في حديثه للتلفزيون السوري أن الهدف من مشروع المرسوم هو اصدار تشريع لضبط العمل الديني ومأسسته للمرة الأولى في سورية. 

  
مرسوم 16...وتعديلات تحت ضغط الرأي العام
 
و يصبح مشروع مرسوم القانون نافذاً بعد توقيع بشار الأسد عليه، و علق عضو مجلس الشعب نبيل صالح وهو أحد المناهضين لمشروع القرار قال عبر صفحته على الفيس بوك:
 
"تم التصويت اليوم بأغلبية الثلثين على 26 تعديلًا أساسياً وفرعياً من مواد المرسوم رقم 16 الناظم لعمل وزارة الأوقاف، وقد حذفت خمسة مواد أساسية فيه وأضيفت مادتان، بحيث تم تقليص تمدد وزارة الأوقاف على غيرها من الوزارات، كما تم حذف تسمية "الفريق الديني الشبابي".
 
و تابع أن التعديلات حددت انتشار الشُعب والدُعاة في مؤسسات الأوقاف وفصل علاقتهم بمؤسسات وزارة الإدارة المحلية، ورفعت يدها عن أبناء قتلى النظام كما حذفت الميزات المالية لموظفي الأوقاف بإخضاعه للقانون الأساسي للعاملين بالدولة .
 
  
 
وتضمنت أبرز التعديلات:
 
تعديل "المجلس العلمي الفقهي الأعلى" لتصبح تسميته "المجلس العلمي الفقهي" فقط، وأضيف إلى مهامه مواجهة فكر جماعة الأخوان المسلمين وتم تسميتهم بالاسم بشكل مباشر وواضح وصريح في المادة 2 من القانون.
 
إضافة بند المادة 5، والتي تنص على تبعية جميع العاملين والإداريين في وزارة الأوقاف والمديريات التابعة لها إلى قانون العاملين الأساسي في الدولة.
 
إلغاء الفقرة التي تسمح للوزير إصدار الاستثناءات بالاستعانة برجال دين من غير الجنسية السورية.
 
كما قلّص القانون من صلاحيات الوزير في المادة 23 والمادة 19 وغيرهما من المواد رغم احتفاظه بصلاحيات واسعة في مواد أخرى.
 
التعديلات حذفت المادة 68 والفقرة ب من المادة 97، و حصرت ارتداء الزي الديني الإسلامي بالأشخاص المؤهلين المرخّص لهم بذلك.
 
                                                                                   التعديلات التي أقرها مجلس الشعب

واعتبر الباحث الاسلامي حبش في حديثه لروزنة، أن النظام يقدم مكافأة للتيار الديني الذي اصطف إلى جانبه في مواجهة الشارع " بالطبع هؤلاء لديهم طبيعة في التعاطي متكيفة تتماهى مع الواقع السياسي القائل بوجوب العودة للسلطان في كل شيء، وهو اعادة تدوير الخطاب التقليدي في جانبه السلفي، و أن طبيعة الخطاب الديني يجب أن يتصدى له عدد محدود جدا من الكفاءات الدينية ذات الاختصاص وأن يكون متاحا للناس في إطار ما يجب أن يفهموه"
 
الألغام القانونية في مشروع القانون 16
 
أحد المخاطر المرعبة في القانون الجديد حسب ما قال الباحث محمد حبش، أنه يهدف إلى توفير خزينة مالية قوية من العوائد المالية توضع بيد طبقة رجال الدين والمؤسسة التي ترعاهم، وهو يعوق ويهدر ويقتل شرط الواقفين الذين كان يضعون الأموال من أجل أن تستثمر في الخير.
 
مواد القانون الجديد لوزارة الأوقاف تتعارض في كثير منها مع الدستور السوري المعمول به حالياً، حيث نصت الفقرة / ط/ من المادة الثانية للقانون على تشكيل "الفريق الديني الشبابي التطوعي"، كأداة لـ"تمكين وتأهيل النسق الشاب من الأئمة والخطباء، وهي التي عارضها، وهذه المادة تتعارض مع الدستور الذي يمنع أي تجمع ذي صبغة دينية، قبل أن يتم حذف التسمية من قبل لجنتي التربية والدستور في مجلس الشعب خلال مناقشة القانون؛ اليوم الثلاثاء.
 
وحول ذلك يفند المحامي السوري فراس حاج يحيى من خلال حديثه لراديو روزنة التجاوزات القانونية والمخاطر التي أجازها القانون 16في نسخته القديمة ، حيث قال حاج يحيى " القانون 16 برمته غير دستوري، حيث نصت الفقرة /ط/ ، والتي تعتمد هيكلاً غامضاً باسم : "الفريق الديني الشبابي التطوعي" وأناط به مهمتين، تمكين وتأهيل النَسَق الشاب من الأئمة والخطباء ومعلمات القرآن الكريم، وأن يكون منبراً للحوار مع الجيل الذي يفوقهم عمراً من العلماء".
  
و حسب التعديلات الجديدة على مواد القانون تغير اسم "الفريق الديني الشبابي التطوعي" إلى لـ "الأئمة الشباب".

وكان وزير الأوقاف في حكومة النظام أن المقصود ب “الفريق الديني الشبابي” هم أئمة وخطباء موظفين في وزارة الأوقاف وهم شباب أقدر على الحوار والتعامل مع تطور الحياة.. وهو تجربة رائدة وبعض الدول طلبت هذا النموذج من سوريا.

وأضاف حاج يحيى أن هذه الفقرة لا تحدد كيفية تشكيل هذا الفريق وعدد أعضائه ومعايير انتقائهم، "ما يدعو للدهشة  أكثر أن يناط بفريق من الشباب قليل الخبرة، ومن الممكن أن يكون غير مؤهلاً، مهام تأهيل أئمة وخطباء مساجد ومعلمات قرآن كريم، تعتبر مهام أكاديمية بحتة محصورة بمدارس ومعاهد وكليات جامعية، وحصر الحوار الديني بيد هذا الفريق الشبابي المجهول الذي يختاره الوزير".
 
ويعتبر المحامي السوري في حديثه لروزنة أن القانون 16 وما أثير من حوله من لغط كشف الشرخ الحقيقي داخل المجتمع السوري،  والمتمثل بانعدام الثقة بين مكوناته عبر هواجس حقيقية لدى عدد كبير من المكوّنات السورية، و أشار إلى خطورة وصول أغلبية من أحد المّكونات أن تصل للسلطة وتتحكم بالقرار، وبالتالي تملكها القدرة على فرض "نمط حياتها" على باقي مكونات المجتمع.
 
 وتابع إلى أن القانون يجعل من المؤسسة الدينية دولة داخل الدولة ويعزز هيمنة الأوقاف على مفاصل الحياة الدينية في سوريا من الألف إلى الياء، قائلاً "وزارة الأوقاف تحالفت مع النظام منذ أكثر من أربعين عاماً والذي جعل كلية الشريعة ووزارة الأوقاف والمعاهد الدينية في سوريا مراكز بعثية تنشر فكر الأسد الأب والابن وحزب البعث الحاكم وتمجيدهم وتحرم الخروج عن طاعتهم".

قد يهمك:  هل تصدر "أوقاف النظام" قراراتها بإيعازات أمنية؟

ويوضح المحامي فراس حاج يحيى من خلال حديثه لراديو روزنة أن وزير الاوقاف اراد من خلال مشرع المرسوم 16 امتلاك صلاحيات وصفها المحامي بالخرافية تمكنه من الهيمنة على الشؤون الدينية، وعلى الأوقاف في الدولة، لتكون لشخصية الوزير وخلفيته السياسية والمذهبية وارتباطاته المعلومة وغير المعلومة  الدور الأكبر في تسيير وتسييس هذا القطاع الحساس في الدولة؛ وفق قوله.
 
وكانت المادّة 51 الفقرة "أ" من القانون نصت على أن "يشكّل في الوزارة مجلسٌ يسمّى "مجلس الأوقاف الأعلى". وكذلك يكون لهذا المجلس صلاحيات عدّة، منها ما ذكرته المادة 89 بأن يؤسس "مجلس الأوقاف الأعلى شركاتٍ تجاريّة مملوكة له..".
 
وحول ذلك يلفت حاج يحيى إلى أن وزارة الأوقاف في سوريا تعتبر من أغنى الوزارات من خلال ما تملكه من أوقاف متمثلة بأراض وعقارات ومحلات تجارية من أقصى الجنوب لأقصى شمال سوريا، "للأسف هذه المادة ستكون مدخلاً لفساد كبير داخل الوزارة ربما أخطر من تأسيس الشركات وحسب والذي قد ينتهي ببيع ممتلكات الأوقاف بحجة العمل التجاري".
 
وختم المحامي فراس حاج يحيى مداخلته القانونية لراديو روزنة بالقول " هذا القانون جعل الوزير الكل بالكل وهو من يعين معظم أعضاء مجلسي الفتوى والأوقاف و المرسوم يعتبراستكمالاً للسيطرة الكاملة على المجتمع السوري وتغيير عقيدته ومذهبه وفق ما يرتأي الوزير".

المحامي عصام التكروري، وهو الحاصل على دكتوراه في القانون العام جامعة السوربون،  قال عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي أن المرسوم الذي أصبح قانونا يحتاج لمزيد من العمل لإزالة كل تداخل بينه و بين القوانين القائمة، و ليكون محصوراً فقط بتنظيم عمل وزارة الأوقاف  للقيام بذلك مازالت الفرصة متاحة عبر أربعة سُبل :

عملاً بالمادة 100 من الدستور، يحق لرئيس الجمهورية قبل أن يُصدر القوانين التي يقرها مجلس الشعب الاعتراض عليها بقرار معلل خلال شهر من تاريخ ورودها إلى رئاسة الجمهورية، فإذا اقرها المجلس ثانية بأكثرية ثلثي أعضائه أصدرها رئيس الجمهورية.

 إمكانية الطعن بدستورية القانون أمام المحكمة الدستورية العليا من قبل السيد رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس الشعب على دستورية قانون قبل إصداره . (م,147 دستور).

 إذا دفع أحد الخصوم في معرض الطعن بالأحكام بعدم دستورية القانون في حال طبقته المحكمة المطعون بقرارها، ورأت المحكمة الناظرة في الطعن أن الدفع جدي ولازم للبت في الطعن، أوقفت النظر في الدعوى وأحالت الدفع إلى المحكمة الدستورية العليا. (م,147 دستور).

 الحق الدائم لأعضاء مجلس الشعب أن يطلبوا تعديل أي قانون نافذ.