التغريبة الدمشقية تنهي الحرب حول العاصمة!

alaraby

تحقيقات ٠٩ يونيو ٢٠١٨ |روزنة - مالك الحافظ
قبل أن تغادر ملجأها تحت الأرض في تغريبة ستبعدها عن المكان الذي ولدت وترعرعت فيه، يتوسل إليها طفلها وهو يحاول النوم في ظلام القبو الذي لجأوا إليه هرباً من قصف أعمى؛ "ماما لح موت من بردي".

هكذا كان حال سعاد (اسم مستعار لامرأة من دوما في الغوطة الشرقية) كحال الآلاف الذين هُجّروا من دوما نحو الشمال السوري لتبسط قوات النظام سيطرتها على المنطقة بعد حملة عسكرية شعواء استهدفت المناطق المحيطة بمدينة دمشق.
فمن بعد حملة عسكرية مكثفة على الغوطة ابتدأتها قوات النظام منذ الثامن عشر من شهر شباط الماضي، تمكن النظام من فرض شروط تفاوضه على منطقة الغوطة الشرقية وليبسط سيطرته على دوما بتاريخ 12 نيسان الماضي، من خلال اتفاق قضى بنقل 8 آلاف مقاتل من جيش الإسلام وعائلاتهم من دوما إلى مدينة جرابلس (شمال شرق سوريا).

تقول سعاد لراديو روزنة قبل رحلة تهجيرها من الغوطة بأيام " أطفالنا جاعوا (هنا) والبرد يتغلغل في عظامهم.. إننا نعيش أهوال يوم القيامة"، وإثر الحصار الذي أطبقت به قوات النظام على الغوطة الشرقية بغية فرض التهجير؛ فقد كانت الحوامل والمرضعات المحاصرات، معاناتهن في الأقبية مضاعفة، حيث تحدثت سعاد هناك عنهن بقولها "الحوامل وبخاصة من هن بالشهر التاسع تعبن من التفكير بالولادة".
وتتابع "كل الأطفال يخرجون من ظلمة بطون أمهاتهم إلى النور، إلا أطفالنا فسينقلون إلى ظلمة أخرى في القبو تحت الأرض".

استطاعت الحملة العسكرية للنظام على الغوطة الشرقية في نهايتها من تهجير عشرات الآلاف من قطاعات الغوطة في حرستا ودوما وعربين وزملكا وبلدات أخرى.
 
المشهد قد تكرر سابقاً..

وفي مدينتي مضايا والزبداني كانت قوافل من مقاتلي المنطقة وكذلك كل المدنيين المتبقين فيها تتجهز للخروج من مناطقهم ضمن ما عرف حينها في منتصف شهر نيسان من العام الماضي باتفاق المدن الأربع (الزبداني-مضايا مقابل كفريا-الفوعة) والذي تم التوصل إليه بين المعارضة السورية المسلحة من جهة والنظام السوري من جهة أخرى حيث نص الاتفاق على خروج 3800 شخص، بينهم مقاتلون من المعارضة المسلحة، باتجاه محافظة إدلب.
 
يقول أمجد (ناشط من مدينة مضايا) لراديو روزنة "نحن لم نعلم عن هذا الاتفاق الابعد نشره على الإعلام، ولا علم لنا به ولم يستشرنا أحد" ويضيف أمجد "(لقد) فوجئنا بإقرار هذا الاتفاق دون مراجعتنا ولم يتم التشاور مع أهالي مضايا والزبداني، بل تم الاتفاق مع القيادات العسكرية فقط ".

كان الأهالي الذين بقوا في بيوتهم متخوفين من اتفاق التهجير؛ حيث كانوا يشعرون أنهم متوجهين إلى المجهول لا يعرفون إلى أين سيرسلون أو من سيكون باستقبالهم، يتحدث أمجد لروزنة؛ ويضيف بقوله أنهم حاولوا إيقاف الاتفاق وتعطيله بجميع الوسائل، معتبراً أن الاتفاق يصب في مصلحة حزب الله اللبناني (الذي كان طرفاً رئيسياً فيه) على اعتبار أنه مخطط تغيير ديمغرافي يضمن للحزب البقاء في تلك المنطقة التي تشكل له موقع مهم جداً ضمن سلسلة جبال القلمون.

 هل يُطبّق سيناريو التهجير على جميع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام؟

الكاتب السياسي راتب شعبو يتحدث لراديو روزنة عن الاتفاقات التي فرضها النظام على المناطق المحيطة بمدينة دمشق معتبراً أنها صورة عن إخفاق سياسي عميق عنوانه العجز عن إنتاج أو القبول بآلية مضبوطة لإنتاج الشرعية السياسية "نلاحظ أن الخيار أمام المهجرين هو الخروج أو الخضوع، وهذا منطق عسكري محض خال من السياسة التي في معناها إدارة الاختلافات، وليس سحق الاختلافات".

ويشير في حديثه إلى إمكانية أن يطيل التهجير القسري في أمد بقاء الأسد في السلطة؛ وأضاف متسائلاً "ولكن ما هو موقع الأسد لدى ملايين السوريين الذين هجرهم وقتلهم وسجنهم وحاصرهم ولاحقهم ..الخ، دون أن يفتح لهم نافذة حقيقية لحل توافقي؟ يمكن أن يستمر الأسد ولكن كرئيس لبعض سوريا، وكعدو، ليس مجرد خصم، لبعضها الآخر، وهذا استمرار ملغوم".

أما عن إمكانية سيطرة النظام السوري على عموم سوريا فيعتقد شعبو في حديثه لروزنة بأنه من الصعب تصور ذلك حتى بعد حملات التهجير القسري التي حصلت، "ليس فقط لأن سوريا باتت موزعة على الدول، بل أيضاً لأن النظام بات مرهوناً في الاقتصاد والعسكرة والسياسة، ولا سيطرة فعلية له على نفسه كي يسيطر على عموم سوريا".

ويعتبر شعبو في ختام حديثه لراديو روزنة أن القانون رقم عشرة الذي صدر في مطلع شهر نيسان، يدلل بأن التهجير القسري يرافقه عمليات إحلال أو استبدال سكاني، وذلك يحمل بعداً طائفياً؛ بحسب وصفه، "يمكن القول بكلمة واحدة، إن تمدد التشيع في المجتمع السوري يشكل، من وجهة نظري، دماراً اجتماعياً لا يقل عن الدمار العسكري الذي شهدته سوريا".

ما هي المناطق التي دخلت على مسار التهجير؟
 
لم تكن مدينتي مضايا والزبداني أولى محطات مخطط النظام السوري وحلفاؤه بتفريغ محيط مدينة دمشق من مقاتلي المعارضة والمدنيين الرافضين لمغادرة بيوتهم، فقد شهدت مدينة داريا (غرب مدينة دمشق) في نهاية شهر آب من العام 2016، أولى الاتفاقات التي فرضها النظام على المقاتلين المناوئين له بقوة النار التي حرقت الأرض دون هوادة، حيث تم توصل هناك لاتفاق على تسليم المقاتلين والذين قٌدّر عددهم بنحو 700 مقاتل أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة، ونقلهم مع عائلاتهم إلى إدلب، وبقاء من يريد تسوية وضعه لدى النظام.
 
وبدأت بعدها سلسلة من الاتفاقات الفردية تفرض على المناطق التي خطط النظام لإفراغها في محيط دمشق، فلحقت معضمية الشام بداريا في شهر تشرين الأول من عام 2016؛ تبعتها بلدتي قدسيا والهامة بريف دمشق الشمالي الغربي، ثم بلدات التل وخان الشيح وزاكية تباعاً قبل نهاية العام 2016.
 
وفي شهر كانون الثاني من العام الماضي لحقت منطقة وادي بردى ببلدات الريف الدمشقي في إطار التسويات مع قوات النظام السوري والتهجير شمالاً، وبحلول نهاية الأسبوع الأول من شهر أيار لعام 2017 دخلت الحافلات التي تم استخدامها في عمليات التهجير في حيي برزة وتشرين بالعاصمة دمشق، وبعدها بأيام بدأ تنفيذ إخلاء حي القابون من مقاتلي المعارضة وعائلاتهم.

وبنهاية شهر كانون الأول من العام الفائت تم إجلاء المئات من مناطق جبل الشيخ في ريف دمشق الغربي (بيت جن ومغر المير) إلى وجهة التهجير التي أصبحت فيما يبدو معتمدة لدى اتفاقات التسوية مع النظام ألا وهي محافظة إدلب.
 
وفي نهاية شهر نيسان، سارع النظام السوري لإنهاء ملف جنوب العاصمة حيث أطلقت عملية عسكرية على مخيم اليرموك الذي تسيطر على ثلثه هيئة تحرير الشام وعلى الثلثين الباقيين تنظيم داعش الإرهابي، وشملت هذه العملية أيضاً مناطق الحجر الأسود القدم والعسالي والتي يسيطر عليها التنظيم، وهو ما تم للنظام فعلا في فرض سيطرته على هذه المناطق وكذلك أيضا بلدات بيت سحم وببيلا ويلدا، بعدما فتح مسار التفاوض من جديد لإنهاء ملف هذه البلدات، ليبسط النظام السوري سيطرته الكاملة على محيط العاصمة دمشق ويقوم بتأمينها.

ويسيطر النظام السوري حالياً على أكثر من 56 بالمئة في سوريا، بعدما بسط سيطرته أيضاً أرياف حمص الشمالي وحماة الجنوبي مؤخراً، بينما تبلغ ساحة سيطرة فصائل المعارضة المسلحة نسبة لا تتجاوز الـ 11 بالمئة، حيث تتركز مناطق سيطرتها الآن في محافظة إدلب والريف الشمالي لحلب وكذلك مناطق في البادية الشامية إضافة إلى تواجدها في مناطق من محافظتي درعا والقنيطرة في الجنوب السوري، بينما تنحصر سيطرة داعش على نسبة 7 بالمئة من مساحة سوريا وتتركز مناطق وجوده في بادية شرق حمص بالإضافة إلى تواجده في مناطق صحراوية حدودية مع العراق.