الفتاة ذات العشر سنوات.. تعود إلى المنزل

القصص ٢٧ سبتمبر ٢٠١٣

يقول شاعر فلسطين محمود درويش: "سأقطع هذا الطريق الطويل، هذا الطريق الطويل، إلى آخرهْ إلى آخر القلب أقطع هذا الطريق الطويل الطويل الطويل ... فما عدت أخسر غير الغبار وما مات مني". ما اسمها؟ هل اسمها مريم أو ليلى؟ لا تشي الصورة سوى بتقدير غير دقيق لعمرها الذي ربما تخطّى العاشرة من السنين بقليل. أنظر إلى الصورة وسؤال واحد يتكرّر في ذهني، إلى أين هي عائدة؟ لا أدري لماذا لم يخطر لي أن أتساءل إلى أين هي ذاهبة في ما بدا لي صباحاً بارداً. بدت وكأنّها تتجّه إلى منزلها، وفكرت: لماذا خرجت من منزلها؟ إلى أين رحلت وعادت خالية الوفاض. لا تحمل طعاماً أو لعبة. لا تحمل كتباً مدرسية، تبدو صغيرة، عادية، جزء إضافي من أجزاء حياة مدمرة. كما المنزل الذي كان وتعبر من أمام ركامه، هل هدمته قذيفة صاروخية؟! هل نجا ساكنوه؟ أم أنهم هجروه منذ زمن. في الواقع لم يَشغلني ما هو قائم في الصورة، الشجرة المُتكسّرة، ثياب الفتاة الصغيرة التي تبدو بالية، نحولها، وركام الأحجار من حولها. بقدر ما شغلتني الأشياء التي كانت ولم تعد، الأشياء المخفيّة من الصورة. أين باقي الأطفال، لماذا لا يلعبون في الساحة؟ لماذا هي وحيدة؟ أين أهلها وأخوتها؟ أين أناس البيوت المُهدّمة؟ وأين المدرسة والحقيبة والكتب؟ هل لا تزال لأعمدة الكهرباء المنتصبة بجانبها أسلاك تنقل النور، وقد نجا بعضها بأعجوبة من قصفٍ صاروخي أو قنبلة عنقودية مثل تلك الصبية ذات العشر سنوات. هل لديهم هاتف في المنزل، ومع من يتحدثون؟! أين المنزل؟ بعيداً خلف الركام؟ هل ينتظرها أحد على نافذته أم أنّ قذيفة دبابة فتحت في جدار المنزل نافذةً جديدة؟! هل تلك الصبية جائعة؟! في واحدة من أحدث مناشداتها الدولية، ذكرت "اليونيسيف" بتاريخ 24 أيلول: (خلال العام الدراسي الماضي 2012، تسرّب ما يقرب من مليون طفل سوري تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و15 عاماً خارج المدرسة بسبب الصراع والنزوح. وفي حين أنّ العديد من الأطفال أصبحوا لاجئين، فإنّ هناك أكثر من نصف مليون طفل ما زالوا خارج المدارس داخل الجمهورية العربية السورية.) وقبلها بيوم واحد ناشدت "اليونيسيف" في بيان صحفي: (إنّ محنة المدنيين المحاصرين جراء النزاع في سوريا أصبحت أكثر بؤساً، وأنّ هناك حاجة لبذل المزيد من الجهود الفورية لإيصال المساعدات الإنسانية لحماية أرواح الآلاف من الأطفال). أمّا مفوضيّة شؤون اللاجئين وبالتعاون مع "اليونيسيف" فكانت قد أعلنت بتاريخ 23 آب 2013 أنّ عدد الأطفال اللاجئين قد بلغ عتبة المليون طفل. يومها أعلن المدير التنفيذي لليونيسيف، أنتوني ليك: (فشل المجتمع الدولي في تحمل مسؤوليته تجاه هؤلاء الأطفال. علينا أن نتوقف وأن نسأل أنفسنا، بكل ما تمليه علينا ضمائرنا، كيف يمكننا الاستمرار في خذلان أطفال سوريا). ويُكمّل الشاعر قراءة قصيدته: (فلتخرجوا من رحيلٍ لكي تدخلوا في رحيل. تضيق بنا الأرض أو لا تضيقُ. سنقطع هذا الطريق الطويل إلى آخر القوس. فلتتوتر خطانا سهاماً. أكنا هنا منذ وقتٍ قليلْ؟ وعما قليل سنبلغ سهم البداية؟) أمّا أنا فأقّلب صفحات الموقع الأزرق بعيداً عن تلك الفتاة، أبحث عن صورة أكثر بؤساً، مرارةً, قسوّةً، وتنضح بأملٍ مشاكسٍ خفيّ لا يليق سوى بالأطفال. فهم غدنا. ينهضون من مرارة الحرب، ويتابعون المسير.

:الكلمات المفتاحية