استتابة المعلمين في "أرض الخلافة"

تحقيقات ١٤ يونيو ٢٠١٥ |حسام عزو

صدر بيان عن تنظيم "الدولة الإسلامية" مؤخراً، يلزم المعلمين بإعلان توبتهم في منطقة منبج بريف حلب الشرقي، وبعد ذلك بأسبوع صدر بيان مماثل في منطقة جرابلس، ضمن خطة شاملة لاستتابة المعلمين بالمناطق التي يسيطر عليها التنظيم.

 يقول عبد العزير مدرس من منطقة منبج لروزنة:" البيان الذي أصدره التنظيم بداية تجويع شاملة للمدرسين، وزيادة للطبقة الفقيرة، ولا نعرف على أي مصدر شرعي اعتمد التنظيم".

 المعلمون بعد المنتسبين لفصائل المعارضة 

 فتح التنظيم سابقاً باب التوبة للمقاتلين في صفوف كتائب المعارضة السورية، والفصائل الإسلامية، واشترط عليهم حينها وجود كفيل فقط، إلا أنه يلزمهم حالياً بحضور دورة شرعية مدتها ثلاثة أشهر للمقاتلين، الذين يعلنون الاستتابة، أما فيما يخص المعلمين، فليس هناك تفاصيل واضحة عن ماهية الاستتابة، بيد أنها تتوضح شيئاً فشيئاً، وقد عرفت مرحلتها الأولى.

 يوضح المعلم محمود:" استتابة المعلمين بسيطة من حيث التنفيذ في مرحلتها الأولى، ولكنها تحمل البؤس لنا، يطلبون من كل معلم أن يقسم أنه لن يتعامل مع النظام الكافر بأي شكل، وأن يتبرأ من العمل السابق معه، وبذلك نكون قد أقسمنا على تجويع أولادنا وخضعنا لطغيانه".

 ويشرح الشيخ أبو خلف من ريف حلب الشرقي أن  خطة "داعش" في استتابة شرائح المجتمع، تؤكد المنهج التكفيري للتنظيم، فهو يعتقد بكفر المجتمع، وأن من مسؤوليته إعادة المجتمع للإسلام.

 حلقة ضمن سلسلة طويلة

 يبدو  أنّ استتابة المعلمين، حلقة ضمن سلسلة طويلة تهدف إلى توسيع قاعدة التنظيم بالقوة، كشأن كل الأنظمة المستبدة.

 وحول ذلك، يقول المعلم عامر من مدينة منبج، إن  "ورقة الاستتابة، عبارة عن ورقة ضغط وإرهاب لقتل أي معارض، وذريعة شرعية لقتل المعارضين للتنظيم"، مضيفاً أن "داعش" قتل سابقاً عدداً من الموقعين على الاستتابة من المقاتلين، بدعوى نقضهم لها كما حصل مع عبيدة الأحمد أبو الحارث، الأمير في جبهة النصرة.

 أعداد كبيرة من المعلمين، استجابت لبيان التنظيم، رغم أنه ليس الأول من نوعه،  إذ لم يستجب للبيان الأول سوى 200 معلم، أما الآن فقد ازدحمت مساجد منبج بالمراجعين.

 و يقول المدرس سعد من مدينة منبج: "البيانات السابقة نصت على منع التعليم بالمناهج الحكومية، وحرمان المعلمين من المزايا التي لا نريدها أصلاً، أما هذا البيان فقد توعدنا بالقتل".

  ونصَّ البيان الأخير، على أنّ "من يتأخر عن إعلان توبته يعد مصراً على الكفر، تطبق بحقه الأحكام الشرعية"، ويبدو أن الخوف من القتل، هو  السر وراء الازدحام، لا الإيمان بفكر التنظيم.

 من تستهدف الاستتابة؟

 تشمل الاستتابة كل معلم سوري قام بالتدريس، ولو يوم واحد، منذ عام 1970م بالمدارس السورية، بمن فيهم المحالين للتقاعد، أو الذين تركوا التعليم منذ زمن واحترفوا مهنة أخرى، مما يؤكد الأبعاد السياسية للقرار، وقالها صراحة أحد عناصر التنظيم في مدينة منبج بعد صلاة أحد الجُمع لمجموعة من الشباب:" ستأتون جميعكم مبايعين لدولة الخلافة أنتم وأبناؤكم مكرهين أو راضين"،  ومن لم يأت مبايعاً سيجبر على الصمت. 

 كما تشمل التوبة المعلمات، وحدد لهن مساجد خاصة، غير أن "داعش"، لم يطلب منهن صوراً شخصية مثل الذكور، إذ تتطلب استمارة التوبة صورة عن البطاقة الشخصية، وصورة شخصية، على أن تحصل في وقت لاحق على ورقة تثبت تبرؤك من الكفر، وتتعهد بعدم إجراء أي تواصل مع النظام السوري من أي نوع كان، حتى الرواتب لا يجوز لك تقاضيها من النظام بما في ذلك المتقاعدون.

وعن ذلك يقول المدرس المتقاعد أبو أحمد: "لا أعلم ماذا أفعل بعد حرماني من دخلي الوحيد، وأنا لا أستطيع ترك بيتي في هذا العمر".

وبدأ التنظيم الأسبوع الماضي، دورة استتابة في مساجد منبج الرئيسية، تشمل المعلمين والمعلمات الذين يريدون التدريس في المدارس التي يشرف عليها "داعش"، وتستمر الدورة لأسبوعين ويتم تنفيذها على عدة دفعات. 

وتقول إحدى المعلمات: " دعانا التنظيم لدورة استتابة وهي عبارة عن دروس شرعية، والغريب في الأمر أنه لا يشترط في المتقدمين لهذه الدورة الشهادة الجامعة أو المعهد، فتكفي الشهادة الإعدادية أو الثانوية".

 

وتضيف أن الحضور إلزامي في الدورة التي تقام في الطابق العلوي لمسجد الفتح للمعلمات، والرواتب ستكون 100 دولار للمعلمة و150 للمعلمين. 

 استتابة أم مبايعة؟

 يحاول التنظيم استثمار التوبة إعلامياً كما حدث في توبة معلمي الرقة، وإظهارها كأنها بيعة طوعية وقناعة فكرية عقائدية بالتنظيم، لكنَّ الواقع يشير إلى غير ذلك، فالظروف لم تترك لأغلب المعلمين خياراً سوى التوبة أو القتل، حسبما يؤكد المعلم أحمد من مدينة منبج.

 ويضيف: "كان البيان مفاجئاً، ولم يترك لنا فرصة لتدبر أمورنا، فمدة أسبوعين لا تكفي لترتيب أمورك والرحيل، لأن هجرتك تعني مصادرة التنظيم لكل ما تملك بتهمة الردة".

  وبدأ كثير من المعلمين في المناطق الخاضعة لسيطرة "داعش"، بالتخطيط للهجرة، حيث يوضح المعلم علي : "قررت السفر لمناطق خارجة عن سيطرة التنظيم، فلا أريد خسارة وظيفتي، ووظيفة زوجتي وتعليم أولادي بعد هذا العمر".

 ومن المتوقع  أن تشمل الاستتابة لاحقاً كل شرائح المجتمع، وستأتي لحظة يمنع فيها التنظيم المواطنين السوريين، الخروج من مناطق سيطرته، وقد بدأ بالمعلمين، وهو ما يؤكده، قول القائم على الاستتابة في مدينة منبج: " من يخرج من المعلمين من أراضي الدولة الإسلامية للتعليم في مناطق النظام، يعتبر مرتداً والقاضي يحدد حكمه". 

 

:الكلمات المفتاحية