الجنود الروس في اللاذقية.. استثمار سياحي بالدولار!

تحقيقات ٢٠ ديسمبر ٢٠١٥ |لبانة غدير

لا يبدو أن الجنود الروس في الساحل السوري، يقاتلون إلى جانب قوات النظام فقط، فهناك تفاصيل أخرى، يقومون بها! 

يخرج الكسندر، بعض الدولارات من جيبه، ليعطيها إلى عمران، الذي أحضر له دخاناً عربياً، تشتهر الجبال الساحلية بزراعته. 

الكسندر الجندي الروسي، لم يمض على قدومه إلى اللاذقية أكثر من عدة أشهر، وقع في غرام هذا النوع من الدخان، الذي بات مصدر رزق للعديد من أبناء منطقة حميميم، التابعة لجبلة، التي تضم القاعدة الروسية الحديثة العهد، وعدداً من الجنود الروس المشاة.

ولا تقصّر السلطات الروسية، بتأمين متطلبات جنودها المقيمين في حميميم، والذين يتجاوز عددهم المئات دون رقم معلن.

لكن يبقى الفضول، والرغبة بالتعرف على كل ما هو محلي، دافعاً لهؤلاء الروس لشراء بعض الحاجيات من المحيط المجاور لهم، كبعض المؤونة الشتوية التي تشتهر بها القرى الجبلية بالساحل، إضافة إلى فواكه موسمية، والكثير من الدخان، بحسب عمران، الذي أوضح أنه يبيعهم المجموعة الواحدة من "الدخان الفرط"، بأكثر من أربعين دولاراً.

"إنه ثمن كبير، أعلم ذلك، لكنهم أيضاً يملكون المال الوفير"، يقول عمران، مشيراً إلى أن بيع القليل من التبغ، بـ40 دولاراً، لا يعتبر نصباً أو احتيالاً. 

ويتساءل: "الموسم تراجع بشكل كبير، والمؤسسة العامة للتبغ في اللاذقية تشتريه بثمن بخس، فما الضير من بيعه بالعملة الصعبة وتغطية نفقات زراعته؟".

المقاتلون السياح!

لم تقتصر مهمة الروس في اللاذقية على الأمور القتالية فحسب، بل تعدتها لمهمة جانبية، غلب عليها الطابع السياحي.

فتراهم يتجولون في كثير من الأحيان بلباسهم المدني في أحياء المدينة، يبتعدون بشكل كبير عن الأحياء المعارضة للنظام، ويبقى تجوالهم محصوراً في المناطق الموالية، أو التي التزمت الصمت.

ويحبون بشكل كبير، ارتياد مقاهي الكورنيش الجنوبي، لا سيما التي تحمل نجوماً خمس.

يؤكد ضرار أحد العاملين في هذه المقاهي، أن الروس قد يأتون بمفردهم أو يرافقهم صديق سوري يرتدي زياً عسكرياً أيضاً، يشرح لهم أصناف الطعام، وينصحهم بما هو أفضل للتناول.

ويقول ضرار: "عندما يأتون بمفردهم، نعاملهم  معاملة السائح الأجنبي من ناحية الأسعار والخدمة، ويكون الدفع بالدولار، لاسيما البقشيش الذي أطلبه بنفسي بالعملة الصعبة، لكن بوجود أحد الضباط الموالين للنظام معهم، نضطر لالتزام التسعيرة النظامية والانصياع لأوامر الضابط الذي لا يرضى بالدفع إلا بالليرة السورية، ويحضر معه مشروباً خاصاً، مما يحرمنا من فائدة مالية متميزة". 

ويرى الشاب، أن الزيارات الروسية لتلك المقاهي "تحرك الجو قليلاً، فالقبض بالدولار يبقى مطلباً في هذه الظروف الصعبة، وهم يملكون منه الكثير".

طلبيات خاصة!

تبقى عدم إجادة الروس للغة العربية، عائقاً بينهم وبين فهم ما يحاك لهم من "مؤامرات"، في تسعير البضائع التي يشترونها، لا سيما وأن فوضى التسعير تعم المدينة دون حسيب أو رقيب، وفي كثير من الأحيان، يحصل تواطؤ بين من يرافقهم وبين التاجر نفسه، لبيعهم ما يريدونه بأسعار عالية.

"يطلبون في كثير من الأحيان أشياء لا تتوفر لدينا"، يوضح بطرس، صاحب متجر في حي الأميركان، مشيراً إلى أن الروس يطلبون أنواعاً من الأطعمة، غير موجودة بالسوق السورية، خاصة اللحوم والأسماك الباردة.

ويضيف بطرس: "أقوم في كثير من الأحيان بتأمينها لهم عن طريق صديق مقيم في بيروت، لكن بسعر مرتفع، أحقق فيه ربحاً لي وله، وفعلاً يحضرون بالموعد المتفق عليه، أو يرسلون مرافقهم نفسه لأخذ ما يريدونه دون أدنى مجادلة في السعر، إنهم فعلاً زبائن مريحون".

ما دور البضائع التركية؟

لا يُعجب الروس بشكل كبير، بمستوى البضائع المتوفرة في اللاذقية، التي ترزح تحت وطأة انعدام الجودة في كل شيء، فالصناعة المحلية المتدنية أغرقت السوق، وفي كثير من الأحيان، يخرج المقاتلون الروس إلى الأسواق لشراء بعض الملابس والأحذية، الملائمة مناخ المدينة.

لكنهم يفاجَؤون بتدني مستوى البضائع، لاسيما ما يتعلق بمجال الأقمشة، ويلفت حيدر الذي يمتلك متجراً في حي الزراعة، إلى أن الروس لديهم طلب كبير على القطنيات الصيفية، وإن كان فصل الشتاء، ضيف المدنية حالياً.

ويتابع حيدر: "بالنسبة لهم، الحرارة معتدلة هنا قياساً بالطقس الروسي، نحاول تأمين الأفضل لهم، لكنهم يرفضون شراء ما هو محلي، ويطلبون بشكل واضح بضائع تركية، على اعتبار أنها متوفرة في أسواقهم واعتادوا على نوعيتها".

ولم يغب عن بال حيدر، أن يشير إلى حساسية وضع البضاعة التركية، في مناطق النظام، "أعلم أن تداول البضائع التركية ممنوع في أسواقنا، لكنني أعمل على تأمينها لهم بشكل دوري وسري"، يؤكد الشاب.

ويضيف: "هم أصلاً لا يهتمون لهذا التفصيل، الوطن لن يتضرر اقتصاده المتهالك عن طريقي، ومتطلبات الحياة صعبة يجب علي تأمينها".

جنود النظام وجنود موسكو.. ما الفرق؟

بالعودة الى حميميم، التي تحول مطارها من مدني، إلى عسكري، على يد الكرملن، نرى الكثير من أبنائها موافقين ضمناً على معاملة الروس معاملة يشوبها الكثير من الاستغلال، دون الوصول لناحية الانتقام، إن صح التعبير.

أهالي تلك القرى الموالية يحبون الروس، ويرحبون بوجودهم بينهم، لكن مجد الذي يبيعهم "زيتوناً مجرّحاً" يحبون بضاعته كثيراً، ويطلبون هذا النوع من الطعام، بشكل دائم.

ولا يعتقد مجد، أن الجنود الروس أغبياء، بل هم غير مهتمين بكمية الأموال التي ينفقونها، حسب رأيه.

"انظري لحال جنودنا وحال جنودهم، أخي يقاتل في جبهة ريف اللاذقية الشمالي، راتبه لا يتجاوز 1500 ليرة شهرياً، لا يأكل سوى البطاطا والبيض المسلوقين، ينام في العراء والبرد، ويستوجب عليه في النهاية الانصياع لأوامر الضباط الروس". يختتم مجد حديثه، وكأنه يبرر لنفسه ما يقوم به، لا بل ويجده شرعياً.