دير الزور: النظام السوري وداعش.. حصار وتجار موت

تحقيقات ١٢ يناير ٢٠١٦ |حسن عارفه

دير الزور أو "المدينة المنسية"، كما يحلو لأهلها وصفها حالياً، تفرض نفسها أكبر المدن شمال شرق سوريا، مشهورة بوفرة خيراتها، ومأكولاتها، وخاصة "البامية"، التي تبدو الوجبة منها مستحيلة، وهو أمر لم يعد مستغرباً، فسعر نصف كيلو الشاي في المناطق المحاصرة، يصل إلى 10 آلاف ليرة سورية! 

لم تفوّت دير الزور الفرصة، لتعلن أنها ضد النظام السوري منذ انطلاق الثورة عام 2011، شهدت الكثير من المعارك، مر عليها العديد من فصائل الجيش الحر وجبهة النصرة وأحرار الشام، لكن، منذ الشهر 7 عام 2014، تعيش فصلاً جديداً، بعد انسحاب كل تلك القوى منها، ودخول تنظيم داعش، ليعلن سيطرته على معظم بقاع المحافظة.

مطالب الحياة البسيطة تبدو رفاهية!

بعد سيطرة تنظيم داعش على مدينة دير الزور وما حولها، فرض حصاراً، على أحياء الجورة والقصور وهرابش والبغيلية، في قلبها، التي ما زالت تحت سيطرة النظام السوري.

"الأوضاع سيئة جداً من ناحية الغذاء والماء والكهرباء، وصعوبة تأمين القوت اليومي، وخطورة تأمين متطلبات الحياة، بسبب القصف على الأحياء المحاصرة من قبل تنظيم الدولة"، يقول محمد، أحد الخارجين حديثاً من دير الزور.

وبحسب الشاب، لا يوجد كهرباء في الحيين المحاصرين، منذ 9 أشهر، إلا بالتجمعات الأمنية التابعة للنظام، ويعيش الناس على الشمع، مصباح الكاز، وأشرطة الضوء التي تعمل بالبطارية.

ماذا عن شحن الهواتف الجوالة؟ "يتم الشحن عن طريق محال لشحن الموبايلات، شحن الجوال الكامل يقدر بـ100 ليرة" يجيب محمد.

وتتنوّع أشكال المعاناة في الأحياء المحاصرة، بعض المناطق تصلها المياه ليوم واحد، ولا تصل لأيام، بينما يعتمد الأهالي على صهاريج المياه، لتعبئة خزانات بيوتهم، رغم أن مياهها، قد تكون ملوّثة! فيما يكلّف الصهريج المعبأ بـ200 ليتر،  مبلغ 500 ليرة، إن وُجد!

وجهاً لوجه مع الشتاء 

تشتهر دير الزور مناخياً، بشتائها القاسي والجاف، فكيف يواجه الأهالي في المناطق المحاصرة، برد هذا العام؟ الذي يبدو قاسياً بكل شيء!

بحسب مصادر من قلب المناطق المحاصرة، لا يمكن الكشف عنها لأسباب أمنية، عمل النظام العام الماضي على فتح آبار لاستخراج النفط، من منطقة خلف مشفى الأسد بالمدينة، القريبة من حيي الجورة والقصور المحاصرين، وبالإشراف المباشر من رئيس فرع أمن الدولة، العميد المعروف بـ "دعاس".

بعد ذلك، ظن الناس خيراً، بأنه سوف تنخفض أسعار المحروقات، لكن، عكس الأمر حدث، فارتفعت وتضاعفت، رغم أنها تُكرر بطرق بدائية!

ويصل سعر ليتر البنزين غير النظامي إلى 4 آلاف ليرة، وليتر المازوت يناطح حاجز الـ2000 ليرة  وأكثر. فمن لديه قدرة مالية اشترى بهذه الأسعار، أما من لا يملك، فله الحطب، الذي يقدر سعر الكيلو منه بـ150 ليرة، بيد أن المخاوف منتشرة حالياً، من تضاعف السعر!

وما يزيد الأمر سوءً، أن معظم النازحين اللاجئين إلى الأحياء المحاصرة، يسكنون بيوتاً غير مكسية، ولا تقيهم أقل أنواع البرد، وهم الذين قدموا من المناطق المدمرة في دير الزور، منذ عام 2012، ويشكلون نسبة 60% من السكان بالأحياء، والمقدر عددهم أجمالاً، بنحو 200 ألف نسمة.

مطار دير الزور شريان غير حيوي!

يطبق تنظيم داعش حصاره على الأحياء الأربعة، من كل الجهات، لكن ثمة وسيلة يستخدمها النظام، لإيصال المواد.

أبو أحمد أحد سكّان المناطق المحاصرة، يؤكد أن النظام، يستقبل البضائع في مطار دير الزور العسكري عبر طائرات اليوشن والحربية، قادمة من القامشلي ودمشق، ثم يتم نقلها بشاحنات، تعبر طريق الجبل الذي تسيطر عليه قوات النظام، وصولاً للأحياء المحاصرة.

ويوضح الرجل، أن البضائع يتم توزيعها على التجار، وبيعها في الأسواق بعشرة أضعاف، مضيفاً:" في نهاية الشهر التاسع، حين بدأت الاشتباكات بين النظام وتنظيم الدولة في محيط مطار ديرالزور العسكري، وبسبب المعارك الطاحنة، بدأت تقلّ النقلات الجوية لحمولة المواد الغذائية، وأصبحت تأتي كميات قليلة جداً".

ويُرجعُ السبب في ذلك "لأن الطائرات أصبحت تنقل بشكل كبير الذخيرة والعتاد، لإيصالها الى مناطق الحصار لقوات النظام، مما أدى أيضاً إلى قلة الطلعات الجوية، بسبب وتيرة الاشتباكات حتى يومنا هذا".

أضعاف أسعار المواد في العاصمة!

"يؤمن الضباط الموادَ من دمشق أو القامشلي بأسعار الجملة، وعند وصولها، يقومون باحتكارها وتوزيعها على التجار المتعاملين معهم"، يؤكد أحد أبناء دير الزور.

ويضيف: "بعد أيام يتم تسويقها داخل الأحياء بأسعار باهظة جداً، وتصل إلى عشرة أضعاف، مقارنة بأسعار المواد في دمشق".

ويبدو أن بعض عناصر "اللجان الشعبية"، يقومون بشراء مواد من الضباط التابعين لجيش النظام، بأسعار زهيدة، ويبيعونها للناس بأسعار مضاعفة.

وبحسب ما رصدت روزنة ومرصد العدالة من أجل الحياة في ‫‏ديرالزور‬، يلاحظ التفاوت في الأسعار، فطبق البيض في العاصمة يباع بـ500 ليرة، في دير الزور يصل لـ7500 ليرة، وكيلو السكّر في دمشق يقدر بـ150 ليرة، أما بدير الزور، يصل لـ5000 ليرة، والمقارنة تنسحب على الكثير من المواد.‬‬‬‬

ويتم الطبخ بالحطب عن طريق "الواوي"، وهو عبارة عن تنكة زيت 16 ليتراً، فارغة، يتم قصّها من المنتصف، وتثقيبها من الجوانب، ويوضع فيها الحطب لإشعاله.

أخطر الشرور!

مصائب الأحياء المحاصرة في قلب دير الزور، لا تقف عند الأوضاع المعيشية، وقلة المواد، وسعرها الباهظ، بل أيضاً، ثمة خطورة صحية في الأمر!

تؤكد مريم، التي ما زالت تسكن في المناطق المحاصرة، أن هناك نقص حاد بالكوادر الطبية والمواد الدوائية، بسبب استهلاكها في أشهر الحصار، وعدم إدخال مواد جديدة.

ويوجد في المناطق المحاصرة من قبل داعش، "مستشفى الأسد"، وحده فقط يستقبل الحالات المرضية، والمسافة منه إلى الأحياء السكنية، تبلغ 7 كم، كما أنه يعاني من النقص الكبير بالكوادر الطبية، وهو غير قادر، إلا على استقبال الحالات الإسعافية الضعيفة.

بيد أن هناك مشفى آخر، يستطيع استقبال الحالات المرضية المتوسطة، وهو "المستشفى العسكري"، "أصدر النظام مؤخراً قراراً بعدم استقبال الحالات المرضية للأهالي، ليصبح عمله فقط للجرحى والمصابين من عناصر قوات النظام"، تؤكد مريم.

وتضيف: "أحياناً يقوم النظام بنقل عناصره الذين يحتاجون لعمل جراحي، إلى دمشق عبر الطيران".

وبعيداً عن أوضاع المشافي، ماذا عن الصيدليات؟ تجيب مريم: "يباع الدواء في الصيدليات بالحبة الواحدة، ولا يتوفر إلا نسبة 20% من الدواء اللازم، ولا توجد كميات كبيرة".

استطلاع الرأي يجتاز الحصار

أشهر الحصار تبدو الأقسى عل أحياء دير الزور، وسكّانه، سجنٌ كبير واستغلال في داخل المكان، فكيف يرى الأهالي ذلك الأمر؟ وماذا يفضلون بين الخيارات المتوفرة؟ وعلى من يلقون بالمسؤولية حول أوضاعهم؟

روزنة ومرصد العدالة من أجل الحياة في دير الزور، اخترقا حصار داعش، دخلا الحيين، وأجريا استطلاعاً للرأي، على شريحة من السكان المقيمين هناك، وهي 60 شخصاً، نساء ورجال.

45% من المستطلعين، يحملون المسؤولية في أوضاعهم للنظام السوري، 55% يقولون إن تنظيم داعش، هو من يتحمل مسؤولية أوضاعهم.

وفيما يخص، الرغبة في البقاء بالأرض، فالنسبة الأكبر للراغبين بالخروج من أحيائهم، والابتعاد عن ذكرياتهم بسبب الحصار، وتقدر نسبتهم بـ77%، وما تبقى فقط، أكدوا أنهم يريدون الصمود في المكان.

لمشاهدة الانفوغراف بدقة عالية، اضغط (هنا)

*تم إنجاز هذا التحقيق بالتعاون بين مؤسسة روزنة ومرصد العدالة من أجل الحياة في ‫‏ديرالزور.‬‬‬‬