تعرف على سوق "الثورة" في منطقة المزة 86!

تحقيقات ٠٣ سبتمبر ٢٠١٦ |علياء نذير

تشكل في منطقة المزة 86 بدمشق، سوق كامل يتوزع على عدة محال تجارية متفرقة، متخصصاً ببيع الأدوات المستعملة والمسروقة على وجه التحديد، ويعرف بسوق "الثورة".

بدأت القصة منذ عام 2012 تقريباً، عندما تعرضت أغلب المناطق التي سيطر عليها جيش النظام السوري للنهب، -والذي عرف لاحقاً بالتعفيش-، من قبل جنوده الذين نقلوا بعض المنهوبات إلى منازلهم أو منازل ضباطهم، وقاموا ببيع الجزء الأكبر منها. والباعة العاملون في هذه الأسواق، لا يجدون حرجاً في تحديد مصادر بضاعتهم أبداً، وعلى العكس تماماً، يتفاخرون بأنها من مناطق سيطر عليها "جيش النظام" ونهب ممتلكات سكانها التي تباع في هذا السوق.

مصادفة!

لم تتوقع سناء أن تجد مسّجلتها معروضة في محل لبيع الأدوات "المستعملة والمسروقة"، بعدما نزحت من منزلها في منطقة التضامن بدمشق قبل سنتين، وفقدت الأمل بالعودة إليه.

تضحك سناء وهي تروي القصة التي حدثت معها قبل سنة تقريباً، حين كانت في زيارة لإحدى صديقاتها بمنطقة المزة 86، "أثناء مروري بجانب أحد المحلات المتخصصة ببيع المسروقات خطر ببالي أن أدخل لأرى المعروضات، فكرت لوهلة أنني قد أجد شيئاً من أغراض بيتي لكنني ضحكت من الفكرة، الفكرة المضحكة تحولت حقيقة، وجدت في المحل، مسجل الصوت خاصتي وهو من أوائل الأدوات الكهربائية التي اقتنيتها وزوجي في بداية زواجنا".

وقتها سألت سناء البائع عن سعر المسجل، فأخبرها بأنه يساوي 1000 ليرة، ويأس من بيعه لأن الزبائن لم يرغبوا به، فاشترته سناء فوراً.

لا تأثير للدولار!

على عكس البضائع المتواجدة في الأسواق المحلية بسوريأ، والتي تتأثر بسعر صرف الدولار مقابل الليرة، لا تأثير لارتفاع أو انخفاض سعر الصرف على البضائع في سوق "الثورة"، إذ تقدر أسعار المسروقات بحسب تكلفة وصولها إلى المحال، ويتم احتساب التكلفة وفقاً للمبلغ الذي يحدده الجنود المستحوذين على البضائع من منازل أصحابها أولاً، إضافة إلى ما تتقاضاه الحواجز العسكرية لقاء السماح بمرورها، وأخيراً تكلفة وسيلة نقلها إلى المحال التجارية.

يقول حسن صاحب أحد المحال: "بلغت تكلفة آخر شحنة بضاعة استلمتها منذ حوالي الثلاثة أشهر نحو 500  ألف ليرة سورية، توزعت على مبلغ تقاضاه الجنود الذين قاموا بالتعفيش والحواجز التي سمحت للشحنة بالمرور، إضافة إلى أجرة السيارة التي قامت بالنقل من منطقة الزبداني إلى المزة".

ويضيف حسن أن أسعار البيع تقديرية بحسب سعر التكلفة، إضافة إلى الربح الذي يريد أن يحصل عليه.

تحرك الجيش يتحكم بالأسعار

أسعار المواد المسروقة المباعة تتأثر بشكل واضح بتحرك جيش النظام، فحين يسيطر على منطقة جديدة تنخفض الأسعار بشكل كبير بسبب كثرة المسروقات، أما في الأيام التي لا يتقدم فيها الجيش، ترتفع الأسعار بشكل واضح، فلا بضائع جديدة وأصحاب المحال بحاجة إلى البيع فيتحكم الجنود بالأسعار كما يحلو لهم.

ينتظر مجد صاحب أحد المحال في "سوق الثورة"، وصول بضائع جديدة من مناطق الغوطة، التي سيطر عليها جيش النظام مؤخراً.

ويقول مجد: "سيتم إغراق البضائع في السوق الذي سينتعش مجدداً بعد ركود دام لأشهر منذ معارك الزبداني". ويؤكد أن في تلك الفترة توافرت كميات كبيرة من البضائع بجودة عالية وبأسعار رخيصة جداً على حد وصفه.

وفي الفترات التي لا تتوافر فيها هذه المسروقات، يعتمد الباعة على الأغراض التي يبيعها أصحابها الأصليون، كمفروشات مستعملة بغرض السفر أو تجديد منازلهم.

أسعار رخيصة

تباع المفروشات والأدوات الكهربائية بأرخص الأثمان، مقارنة بالسوق المحلي، وهنا أسعار بعض المواد المعروضة:

وأشياء أخرى متنوعة أبواب شبابيك ستائر ملابس كل شيء يتواجد في المنازل، لكن الشيء الذي لا يتوافر مطلقاً ضمن هذه المسروقات الشاشات التلفزيونية إذ يأخذها الجنود إلى منازلهم.

للضباط التأثير الأكبر

يحدث أحياناً أن يستحوذ أحد الضباط على ممتلكات المنطقة التي سيطر عليها الجيش، فيتحكم بأسعار المسروقات بعد أن يأخذ ما شاء منها إلى منزله أو منازل أقربائه، فيعمل الجنود "المعفشون" لصالحه، فهم يسرقون وهو يبيع كما يشاء، يثير هذا الأمر سخط الجنود.

يقول أبو الزين أحد جنود النظام الذين دخلوا إلى منطقة جوبر في وقت سابق: "ليس من المعقول بعد بذلنا لكل المجهود أن تذهب الأرباح إلى العقيد المسؤول عنا، إننا نقدم التضحيات ويضعوننا في خط النار لقتال المسلحين ويزجون بنا في مناطق خطرة، وعندما يحين وقت الاستفادة يستولون هم على كل شيء".

فواتير نظامية

صاحب أحد المحال  في السوق، يملك سجلاً تجارياً على حد قوله، ويعطي للمشتري فاتورة نظامية بالأغراض المباعة تخول الشاري نقل أغراضه عبر الحواجز بشكل سليم.

لكن محال أخرى لا تعطي هذه الفاتورة، ويؤكد الرجل أن نقل هذه الأغراض ضمن منطقة المزة لا يحتاج أي فاتورة، بالرغم من أن نقل المفروشات أو الأدوات الكهربائية من منطقة إلى أخرى أو حتى ضمن المنطقة الواحدة في دمشق، يحتاج موافقة أمنية وفواتير دقيقة، في حال كانت الأغراض المنقولة جديدة، وإلى ورقة من مختار المنطقة وموافقة أمنية في حال نقل أغراض منزله إلى منزل آخر.

البضائع المعفشة ملاذ الفقراء؟

مرتادو "سوق الثورة" هم من الطبقة الفقيرة غالباً، وغير القادرين على شراء أدوات جديدة لمنازلهم، وقد يكونوا من الجنود أصحاب الرواتب الضئيلة، أو مقبلين على الزواج ولا يتملكون القدرة على شراء الأدوات الجديدة، بسبب ارتفاع الأسعار الكبير بالعاصمة.

"ألجأ إلى هذه المحال لشراء أدوات لمنزل ابني الذي أنوي تزويجه قريباً، فالأسعار هنا رخيصة جداً مقارنة بالسوق ومن المحتمل أن تجد قطعاً بجودة عالية وبأسعار مقبولة"، يقول أبو علي، أحد المتسوقين، ويضيف: "لا يمكنني شراء أثاث جديد براتبي التقاعدي المتواضع".

أما أم غيث، فترفض رفضاً قاطعاً، الشراء من هذه المحلات، إذ تقول إنها لا يمكن أن تستخدم أياً منها، فلا يقبل عقلها شراء أغراض سرقت من منازل أناس سوريين مثلها، كانوا آمنين في أحد الأيام، وتعتبر أن هذا حرام قولاً وفعلاً.