لماذا لاقت صورة "عمران" هذا النجاح العالمي؟

القصص ٢٠ أغسطس ٢٠١٦

يتفاجأ البعض لنجاح صورة واحدة لحدث ليس هو بجديد مثل القصف الجوي على مدينة حلب وعلى عدد من المدن السورية الذي يخلف مئات الضحايا بين قتلى وجرحى وعدد منهم من الأطفال، فيوثق إعلاميو حلب وإدلب ودوما وجوبر وناشطين من هذه المدن ومن غيرها هذه الغارات من عدد من السنوات الآن وقد فاز بعضهم بعدد من الجوائز العالمية واكتسب خبرة كبيرة في مجال تغطية الحروب. وطبعاً عمران ليس أول طفل ينجو من غارة جوية في حلب وفي شمال سوريا وليس الأ‫خير، ولحسن حظه أنه من الناجين.

ومع هذا تأتي صورة واحدة دون غيرها لتجتاح صفحات الفيسبوك والتويتر وشاشات التلفزيون والمواقع الإخبارية وأجهزة الهاتف الذكية، وتصدرت أمس الجمعة ١٩ آب/أغسطس عشرات الصفحات الأولى في صحف العالم من الـ"لوموند" الفرنسية إلى الـ"غارديان" البريطانية والـ"نيويورك تايمز" الأمريكية مروراً بصحيفة "المستقبل" اللبنانية التي عنونتها بشكل استفزازي "سوريا الأسد"!

ونذكر أن في العام الماضي في نفس هذه الفترة مع نهاية شهر آب/أغسطس، أخذت صورة الطفل السوري إيلان الذي غرق على شاطئ تركي عند محاولته العبور إلى أوروبا مع أسرته، مكانة عالمية وشهرة غير مسبوقة على الرغم من وجود عشرات بل مئات الصور لأطفال غرقوا ووجدت جثثهم على شواطئ تركيا أو اليونان أو مالطا‫.

واليوم نرى نفس هذه الظاهرة مع الطفل عمران وهو نجا من غارة على حي القاطرجي في حلب‫.‬ وأصبح في غضون ساعات رمز أو وجه لأطفال سوريا ولعذابهم ومأساتهم التي تبدو وكأن لا نهاية لها.

وعندما ننظر للصورة في محاولة لفهم هذا النجاح العالمي، نرى أنها صورة عادية جداً ليس لها أي أبعاد مختلفة وليس لها كتابة أو تكوين غير عاديين‫.‬ لكن "بطل" الصورة إذا أمكننا استعمال هذا التعبير، الطفل عمران، هو الذي يعطي الصورة كل أهميتها.‬ فإن وضعيته في سيارة إسعاف واللون البرتقالي الذي يحيط به من معدات للإسعافات الأولية، وهو أيضاً لون الكرسي الذي وضعه عليه المسعف بينما ذهب للاهتمام بأعضاء آخرين من أسرته، هذا اللون الغير عادي يعطي للصورة طابع سوريالي.‬ يزيد عليه وضعية عمران وكون جسده الصغير مغطى بالغبار من جراء دمار المبنى الذي كان يسكن فيه، وبعض من الدم على وجهه الصغير الذي غطاه الشعر الكثيف‫.‬

ونرى في الصورة الفوتوغرافية وأيضاً في المقطع التلفزيوني الذي تم تصويره في نفس الوقت، الطمأنينة وطبعاً نتيجة الصدمة التي تعرض إليها الطفل الصغير، ولكن هذا السكون وهذه الطمأنينة فهو لا يبكي ولا يصرخ بل يكتفي بالنظر إلى مصوريه ويمسح وجهه بحركة جميلة هادئة‫.‬ ولا شك أن الكثير يرى في هذه الصورة وهذا المشهد ماذا حل بسوريا‫.‬ سوريا الهادئة الساكنة الجميلة التي باتت كلها رماداً ودماء ولكنها بكل هدوء تمسح الدماء عنها ولا تستسلم للجنون والهستريا. ويرى طبعاً الكثير من الآباء والأمهات أطفالهم في هكذا صورة ويسألون أنفسهم "ماذا لو كان طفلي في هذا المكان أو في هذه الوضعية"، وطبعاً هذه الصورة مع كل قسوتها تبقى صورة "ايجابية" فالطفل لم يمت وهو محظوظ، مع أننا عندما ننظر إليه لا يمكن إلا أن نسأل أنفسنا "هو لم يمت ولكن أي حياة تنتظره في حلب اليوم؟ وماذا سيكون مستقبل عمران وآلاف الأطفال في عمره؟".

أيضاً ما يصدمنا في هذه الصورة إلى جانب الطمأنينة، هو انعدام الفعل لدى عمران، فهو ظهر في وضعيته كشخص "لا حيلة" له ولا سلطة. يبدو كجميعنا عندما ننظر الى الوضع في سوريا فلا نعرف ما ينبغي أن نفعل أو إذا علينا أن نتصرف ونتدخل أو لا. ونضيع في الخطابات والكلمات والاقتراحات المتضاربة والروايات الكاذبة، هنا يأتي أيضاً سر نجاح هذه الصورة فهي لا تكذب ولا تشوه الحقيقة‫.‬ إنها الحقيقة بحد ذاتها تأتي لتصفعنا ولتذكرنا أن سوريا ليست داعش وسوريا ليست بشار ونظامه أن سوريا هي عمران وعلينا حمايته ودعمه وأن مكانه ليس في سيارة إسعاف عليه الرمل والدم بل في المدارس ومدن الملاهي وفي اللهو واللعب والتعلّم والسعادة.

*مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".