ريف حمص: "شكّ الخرز".. لمواجهة الحياة

القصص ٢٧ نوفمبر ٢٠١٦ |أحمد عمار

تركت علياء دراستها لتعيل والدها وأخوتها، فوجدت طريقة لمواجهة الظروف الصعبة الناتجة عن الحصار على منطقة الحولة، بريف حمص الشمالي.

وسيلة نجاة!

في مكان لا يتمتع بالمقومات الكثيرة، قد يعود الإنسان إلى قدراته الأساسية، التي لا تحتاج إلى أدوات معقدة، ليقدر على البقاء حيّاً، ويعيل أسرته.

علياء ابنة العشرين عاماً، تقيم في سهل الحولة المحاصر من قوات النظام السوري منذ أكثر من عام، مسؤولة عن أبيها وأخواتها الصغار اللاتي تركن دراستهن نتيجة سوء الحال، قررت العودة إلى تراثها العائلي لكي تعيش، فأحيت ذاكرتها عن طريق "شك الخرز".

بدأت الشابة مع أخواتها بالعمل في شك الخرز، لتستطيع تأمين ما يكفيها ويكفي عائلتها للبقاء على قيد الحياة ومواجهة الحصار، "نحن ٣ أخوات نعمل بشك الخرز، والدي رجل مسن لا يستطيع العمل وتأمين حاجياتنا وتحمل مصاريفنا، وأخي المتزوج ظروفه صعبة لا يستطيع إعالتنا" تقول علياء.

تعلمت علياء شك الخرز من والدتها، التي قضت في قصف بالبراميل المتفجرة، وعلمت هذه الحرفة لأخواتها الصغار ليبدأن مساعدتها في العمل، وليستطيعن جني مالٍ أكثر يكفي احتياجاتهن الأساسية. 

سارة، أخت علياء، تبلغ من العمر عشر سنوات قالت في حديثها لروزنة "أختي الكبيرة علمتني التطريز وهي متزوجة، والدتي توفيت ولم يبق لنا أحد، وأخي متزوج ولديه عائلة كبيرة، نحن نعمل لنساعده ونساعد أنفسنا".

مهنة صعبة وإن بدت سهلة

لا يعكس ظاهر الأشياء باطنها، وكذلك مهنة شك الخرز، فرغم أنها تبدو سهلة، إلا أنها في الحقيقة مهنة شاقة وتتطلب جهداً كبيراً ووقتاً، ولها تأثيرها السلبي على البصر، فمن يعمل بهذه المهنة يبقي عينيه صاحيتين وتدققان في أصغر التفاصيل من أجل أن تكتمل الرسمة أو ما تسمى "الزخرف الخرزي" على القطعة.

كما أن هذه المهنة تحد من إمكانية الإنسان على الحركة، لا سيما وأنه يمضي نهاره جالساً أمام قطعة القماش ويحرك يديه ببطئ، وبحركات مدروسة، فضلاً عن أن هذه المهنة ليست من المهن التي تجني الكثير من الأموال خصوصاً وأن عملية الإنتاج فيها تستهلك وقتاً طويلاً.

تؤكد علياء أن "العمل بشك الخرز صعب ويتطلب وقتاً وجهداً كبيراً، وأما أسعارنا فهي مقبولة يصل سعر القطعة الواحدة إلى ١٥٠٠ ليرة، وعملنا مرغوب بالمحال التجارية وهم يدعموننا".

وتضيف: "الغاية من عملنا هو أن لا نكون عالة على أحد وأن لا نحتاج أحد، وضعنا المادي في تحسن، بعض الأيام يكون العمل كثيف والبعض الآخر قليل".

رأي الزبائن

تزداد تداعيات الحصار الذي فرضته قوات النظام السوري على أهالي سهل الحولة في ريف حمص الشمالي يوماً بعد يوم، فتسوء حالهم أكثر، وتقل مواردهم المادية، فضلاً عن ارتفاع نسب العائلات التي تفقد معيلها نتيجة قصف النظام المستمر على المدنيين في السهل.

يقول محمد "عمل علياء مرتب ومتقن جداً، أنا دائماً أشتري منها بعض الملابس واللوحات المطرزة وهي جميلة جداً وأسعارها جيدة".

أما أبو حسان فيؤكد: "أجد صعوبة كبيرة بشراء منتجاتهن بسبب إقبال الناس على بضاعتهن، والدتهن المتوفية كانت مبدعة بعملها وأورثت إبداعها لبناتها، حيث أن عملهم جيد ومتقن وشاق لكنهم مبدعون".

علياء التي أوقفت دراستها في الجامعة حتى تتحسن الظروف، وسارة التي انقطعت عن الدراسة في الصف الرابع الابتدائي، وفتيات أخريات كثر، استطعن التعايش مع الوقائع المفروضة، رغم صعوبتها الكبيرة.