ماذا تبقى من مؤسسات النظام السوري في عفرين؟

تحقيقات ٠٩ نوفمبر ٢٠١٦ |محمد بلو

قضى مصطفى 26 عاماً من عمره، يعمل موظفاً في مؤسسة البريد بعفرين، إلا أنه تفاجأ منذ نحو عام بقطع راتبه نهائياً من قبل حكومة النظام السوري، وبعد محاولات تقصّ، تأكد أن أحداً ما رفع به تقريرا أمنياً اتهمه فيه بـ"حمل السلاح والتحريض ضد الدولة والتعاون مع منظمات إرهابية"!

 

إدارة البريد حالياً والتي تتبع لـ"الإدارة الذاتية" لم تفرط به ووظفته لديها مستفيدة من خبرته الطويلة في مجال البريد والاتصالات.

بعدما أعلن "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردي مدينة عفرين مقاطعة كالجزيرة وعين العرب -كوباني عام 2014. تحاول الإدارة الذاتية تعويض غياب الدولة. فهل نجحت في تقديم خدمات أفضل مما كان موجوداً في السابق أم فشلت؟

يعتقد المواطن ريبر أن الخدمات التي تقدمها الإدارة الذاتية في ظل الوضع الراهن تعتبر جيدة وهناك خدمات تحسنت نحو الأفضل، فمثلاً تتوفر المياه بشكل ممتاز الآن كما يقول.

وفيما يتعلق بوضع الكهرباء يقول: "توفر الكهرباء بعفرين لا يختلف عن باقي المناطق السورية وحتى مناطق سيطرة النظام تعاني من هذه المشكلة وأضحى الناس هناك أيضاً يعتمدون على الأمبيرات".

الروتين الإداري أسوء 

في المقابل يعتقد المواطن محمد المقيم في عفرين، أن الوضع الخدمي أيام النظام كان أفضل بكثير من الوضع الراهن. 

ويوضح محمد: "الإجراءات الروتينية المتبعة لدى بلديات الشعب تؤخر الخدمات على المواطنين ويسودها حالة عدم الخبرة المطلوبة وأستطيع القول بأن رؤساء البلديات لا يصلحون أن يكونوا في تلك المواقع!"

ويؤكد محمد أن الضرائب باتت تثقل كاهل المواطنين الذين أصبحوا في وضع نفسي سيء، بسبب الضرائب المفروضة لدرجة أن البعض وصل به الأمر لدرجة أنه يتكلم مع نفسه! بحسب وصف محمد. 

ويقول: "الإدارة القائمة تستند في إجراءاتها التنفيذية على القوانين التي يصدرها المجلس التشريعي في المقاطعة حيث لم يسن حتى الآن أي قانون للتشريع الضريبي، الأمر الذي ترك فراغاً قانونياً في هذا المضمار لتسوده قرارت ارتجالية ومزاجية".

وتفرض الضرائب من قبل "الإدارة الذاتية"، على مختلف القطاعات الاقتصادية من التجارة والزراعة والصناعة والبناء، وتعلل الإدارة خطواتها بمعاناة المقاطعة من الحصار المفروض عليها منذ سنوات وأنها تعتمد على الإمكانات الذاتية للشعب في مهمات الدفاع وتقديم الخدمات لأهل المنطقة. لكن الكثير من الأهالي لا تروق لهم الضرائب، التي تبدو كبيرة جداً على إمكاناتهم.

انتهى زمن الرشاوى؟

تفرض الإدارة إجراءات صارمة بحق من يحاول الالتفاف على قوانينها وارتكاب مخالفات مما أدى إلى انخفاض حالات الرشوة والمحسوبيات كما يرى البعض.

يقول دلشاد: "هناك فرق كبير بين الوضع الحالي والوضع أيام النظام فالإدارة الذاتية تخدم الشعب والبلديات تقوم بعملها بشكل جيد حيث جلبت مجبل للإسفلت(الزفت) وتقوم بترميم الطرقات".

ويضيف دلشاد: "أما من ناحية البناء فقد شهد تطوراً كبيراً وأصبح متعهدو البناء أكثر التزاماً أمام الناس حيث كانوا يقومون أيام بلديات النظام بدفع الرشاوى لزيادة الأمتار والشرفات ويلجؤون للمحسوبيات في سبيل ارتكاب المخالفات، أما الآن فيلتزم المتعهدون بالخطط المرسومة لهم من قبل بلديات الشعب".

مؤسسات النظام

لا تمنع الإدارة الذاتية موظفي المؤسسات التابعة للنظام سابقاً، من قبض رواتبهم من حكومة النظام، ومتابعة عملهم ولكنهم مجبرون على الامتثال لقوانين الإدارة. 

اعترضت هيفي مصطفى الرئيسة المشتركة للمجلس التنفيذي في مقاطعة عفرين، على صيغة سؤال: "ماذا تبقى من المؤسسات التابعة للنظام؟"، معتبرة أن الجميع بات يدرك أنه قبل إعلان "الإدارة الذاتية"، تم إخراج جميع المؤسسات التابعة للنظام السوري، وبعد ذلك حصل فراغ في هذه المؤسسات وان "الإدارة الذاتية" جاءت لملء ذلك الفراغ الحاصل بسحب وصفها. 

توضح هيفي مصطفى لروزنة أن مقاربتهم لموضوع موظفي النظام الذين هم من أهل المنطقة هي كالتالي: "من يريد الاستمرار بالعمل في مؤسسته القديمة ولكن وفق قوانين وأنظمة الإدارة الذاتية فهو مرحب به وغير ذلك غير مقبول لدينا".

ضد تقسيم سوريا! 

تضيف هيفي أنه في حال تم فصل موظف ما من قبل النظام، وقطع راتبه، فـ"الإدارة الذاتية" على استعداد لتعويضه، معتبرةً أنه لا مانع من أن يقبض أولئك الموظفين الرواتب من النظام.

وتوضح: "لأن مناطق الإدارة الذاتية جزء من سوريا، التي ستبنى في إطار الحل المنشود والذي سيلبي إرادة كل المكونات السورية مؤكدة أن الإدارة ستقف ضد كل من يعمل على تقسيم سوريا".

ما حال القضاء؟

لا تزال بعض أقسام مؤسسة القضاء التابعة للنظام السوري تعمل في المنطقة، ولكنها تختص فقط بالقضايا الإقرارية بينما تنظرُ محاكم الشعب التابعة للإدارة الذاتية في كل قضايا المواطنين.

يقول المحامي صبحي لروزنة: "لازالت هناك أقسام من مؤسسة القضاء التابعة للدولة السورية أو النظام تعمل في عفرين، مثل محكمة البداية المدنية ومحكمة الصلح المدني والمحكمة الشرعية والديوان وضمنها كاتب العدل وهناك دائرة الوكالات القضائية".

ويوضح صبحي لروزنة أن مهمة القاضي البدائي المدني تتلخص في تثبيت الدعاوى الإقرارية للعقارات الموجودة في المنطقة، وخاصة تلك الموجودة ضمن المخططات التنظيمية للمدن والبلدات، أي أن محكمة البداية والصلح المدني تنظر في الدعاوي الإقرارية حصراً، ولا تنظر في الدعاوى التي فيها خصومات لأن دعاوي الخصومة تحتاج للتبليغات والمحضرين وجهاز الشرطة، بينما تختص محكمتي البداية والصلح في تنظيم حصر الإرث القانوني والشرعي للناس وتثبيت الزواجات والمخالعات الرضائية والنسب والتي لا تحتوي على الخصومات حصراً.

مضيفاً أن هناك أيضاً دائرة لتنفيذ القرارات المتخذة من قبل المحكمتين، اللتين تتبعان لمؤسسة القضاء بحلب.

"أما بالنسبة لكاتب العدل فقد تم تقليص صلاحياته قبل تسعة أشهر وتقتصر مهامه على تنظيم الوكالات الإدارية فقط، مثل السجل المدني بحلب، الخارجية، كشف علامات الطالب المتخرج، أما الوكالات العامة كوكالات بيع وشراء السيارات وقبض الراتب فلا تتواجد في عفرين" يقول صبحي علي.

أما بخصوص محاكم الشعب التابعة للإدارة الذاتية فهي تنظر في كل القضايا الجزائية والشرعية والمدنية، ولديها وكالات خاصة بالمقاطعة حسب المحامي صبحي علي.

دعم البرامج الصحية 

من جهة أخرى تدير هيئة الصحة في "الإدارة الذاتية" المراكز الصحية الموجودةَ في المنطقة، بما فيها تلك التي كانت تتبع لمديرية الصحة بحلب، بينما لا يزال بعض موظفي تلك المراكز يقبضون رواتبهم من مديرية الصحة بحلب التابعة للنظام، والتي تمد المنطقةَ أيضاً بالعديد من البرامج الصحية.

لا يزال المركز الصحي في المدينة (المستوصف) يقدم الخدمات الصحية للمواطنين بشكل مجاني، كما في السابق، وتتواجد مراكز صحية فرعية تتبع للمركز الرئيسي في مراكز النواحي التابعة للمنطقة أيضاً.

يقول الموظف أبو عبدو لروزنة: "الكوادر البشرية في المراكز الصحية التابعة سابقاً لمديرية صحة حلب (النظام) تتبع حالياً من الناحية الإدارية لهيئة الصحة التابعة للإدارة الذاتية".

مؤكداً أن مديرية الصحة بحلب تقوم بدعم البرامج الصحية في المنطقة عبر موظفيها، من أهل المنطقة، وتقدم المديرية المساعدات الصحية مثل برامج اللقاح والسل والسكري وبرنامج سوء التغذية الخاصة بالأطفال.

موظفو البلديات

لا يختلف وضع القطاع الخدمي كثيراً عن باقي القطاعات، فلا يزال نحو خمسين موظفاً يعملون لدى بلدية الشعب في عفرين، ويمتثلون لقرارتِها لكنهم يقبضون رواتبهم من البلديات القديمة التابعة للنظام.

يقول نوري شيخو الرئيس المشترك لبلدية الشعب في "مقاطعة عفرين": "إنه لا يوجد أي ارتباط قريب أو بعيد بين بلديات الشعب والبلديات القديمة التابعة للنظام وإنما هناك موظفون كان يتبعون سابقاً لبلديات النظام، والآن هم يمتثلون إلى قرارات بلديات الشعب ويعتبرون من ملاك بلديات الشعب، ويعملون على تقديم الخدمات للناس وخاصة في قسم الإطفائية".

ويوضح شيخو لروزنة أن بلدية الشعب قامت بتخصيص غرفة في مبنى البلدية، لتسيير أمور الموظفين العالقة مع بلديات النظام مثل الرواتب وغيرها. 

وتشهد باقي الدوائر الخدمية مثل التربية والبريد ومصرف التسليف الشعبي وشركتي المياه والكهرباء أوضاعا مماثلة، حيث تقوم "الإدارة الذاتية" بتسيير شؤونها جميعاً لكنها أبقت على مكاتب صغيرة لتسيير الأمور المتعلقة بالراتب، وإثبات وقوف الموظف على رأس العمل كونه من أهل المنطقة.