مراهقون في إدلب.. من المدرسة إلى المقتلة

تحقيقات ٢٢ فبراير ٢٠١٧ |يوسف عبدالله

أرسل أبو وليد ابنه الصغير ليتعلم مبادئ القراءة والكتابة والشريعة الإسلامية في أحد مجالس التعليم بريف إدلب، لكنه وجد ولده وليد بعد أشهر قليلة، مسلحاً في جبهة "فتح الشام" وهو لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره. 

إغراء وسلاح

في بعض مناطق إدلب التابعة للفصائل المعارضة يداوم الأطفال في مدارس دينية افتتحت كبديل عن المدارس الحكومية، تقدم المدارس تعليماً دينياً للأطفال، وتعلمهم مبادئ استعمال السلاح، وقال مدنيون لروزنة عبر تصريحات وردت في تقرير سابق، إن سيارات جبهة "فتح الشام" -النصرة سابقاً- تجوب القرى لتجمع الأطفال وتأخذهم إلى حلقات دينية.

يقول أبو وليد في حديثه لروزنة، إن التعليم تراجع كثيراً في المدارس، خاصة بعد سيطرة جيش الفتح على المنطقة عام 2015، يضيف قائلاً: "شجعت ولدي على الانتساب إلى الحلقات الدينية ليحصل على بعض العلم هناك". 

أحب الطفل ارتياد الدورات الدينية، وتولع بها مع عشرات الفتيان الآخرين في المنطقة، فالوقت ممتع والمسابقات وولائم الطعام تجذب الأطفال. لم يرجع وليد إلى المنزل، ليعلم والده لاحقاً بأنه يخضع لدورة في تعليم استخدام السلاح، ويلتحق بمعسكرات "فتح الشام". 

يقول الطفل عمر السعيد (15 عاماً)، الذي تم تجنيده مع الكثيرين من قبل جهة مجهولة بعد اغرائه بالمال: "تم اصطحابنا لمناطق بعيدة، وهناك تم وضعنا في الصفوف الأمامية ونحن مدججين بالسلاح، وأعطونا الأمر بالإقتحام دون أن نعرف ما الذي يجري". بمعجزة كما وصفها عمر استطاع الفرار مع زميلين له من براثن الإنفجارات والدخان وأصوات الرصاص التي كانت تتطاير من فوق رؤوسهم، وكانت رحلة شاقة وطويلة، لحين عودته لقريته في إدلب.

كيف يرضخ الأهالي؟

يتم تجنيد الاطفال بموافقة الأهالي أحياناً، وبدونها غالباً، وتقول أم عمار وهي والدة لطفل تم تجنيده بمعسكرات "فتح الشام": "الشيوخ والمدرسون التابعون للفصائل المتشددة يقومون بإقناع الأطفال بأن موافقة أهاليهم ليست مهمة، فالدفاع عن الأهل والدين هو فرض عين.. ولا حاجة للإذن!".  

حاول عمار إقناع والدته برغبته بالقتال مراراً، لكنها بحسب قولها لم تكن مستعدة لزج طفلها في المعارك، خاصة بعد فقدان والده بقصف "طائرات الأسد" كما تقول.. لكنها اليوم تقبل بالفكرة، وترى ولدها كلما عاد من جبهة القتال. 

وتطلق الكتائب المقاتلة حملات متتالية لتجنيد المقاتلين، كحملة "انفر" التي أطلقتها جبهة "فتح الشام" لجمع مقاتلين جدد بصفوفها، لينضم لها مجموعة كبيرة من الشباب واليافعين الراغبين بتأمين مصدر رزق مقبول لعائلاتهم الفقيرة. 

لا تشترط الحملات في غالبها الحصول على موافقة الأهل للانضمام للفصائل المقاتلة، ويخضع الأطفال واليافعون لدورات شرعية بدائية وقصيرة، ليتلوا ذلك تدريبات عسكرية بحسب الاختصاصات اللازمة لكل فصيل.

يقول أبو يحيى وهو قائد ميداني في جيش الشام بإدلب في شهادة سابقة لروزنة:  "ما في مدارس ولا غيره هون.. هم يأتون ويطلبون مننا تجنيدهم.. نحن نعتمد على الأولاد القادرين على حمل السلاح من عمر 15 عاماً"، ويضيف مبرراً: "هناك أهالي لا يوافقون على انضمام أولادهم .. ولكن إذا نحنا ما أخدناه رح ياخده حدا تاني".

حملات ضد التجنيد 

لأن النصرة وغيرها من الفصائل المقاتلة استطاعت استقطاب أعداد كبيرة من الأطفال والشباب، أطلقت فرق ومجموعات مدنية متنوعة حملات ضد تجنيد الأطفال في إدلب، ففريق توثيق إنتهاكات جبهة النصرة، أطلق حملة مماثلة العام الماضي، وهي حملة "أطفال لا جنود" في مناطق متفرقة من ريف إدلب شمال سوريا، في محاولة جادة لوقف عمليات تجنيد الأطفال ضمن الفصائل المسلحة. فيما تنظم شبكة حراس لحماية الطفولة بدائل عملية للأطفال وتعويضات مالية لعائلاتهم في سبيل منعهم من حمل السلاح وإعادتهم للمدارس والحياة الطبيعية بعيداً عن الحرب.  

ويقول الناشط الإعلامي عاصم زيدان: "يعتبر إطلاق الحملات رداً على تزايد عمليات تجنيد الأطفال"، لافتاً إلى أن نشاطات الحملات المشابهة لا تكون علنية بسبب مقاومة الفصائل المسلحة لها، وسيطرتها على المنطقة. 

ويتذكر أهالي ريف إدلب أم محمد التي فقدت ولدها اليافع بمعارك حلب بعد تجنيده بصفوف جبهة النصرة عام 2014، فقررت الوقوف بوجه الكتائب المسلحة، لتعيد ولدها الثاني من داخل المقر العسكري بعد أن صرخت بهم قائلة "هم أطفال صغار.. وليسوا جنوداً".