رحلة في ذاكرة السوريين.. الترام في حلب ودمشق!

القصص ٢٨ مارس ٢٠١٧ |روزنة / مازن بايرام

بين ركام الألم والحسرة، يتذكر السوريون القدامى وخاصة سكان حلب ودمشق مشاهد جميلة لحافلات الترام الكهربائية، وهي تجوب الشوارع الرئيسية لتلك المدينتين الأعرق في منطقة الشرق الأوسط.

رغم التوسع العمراني الذي شهدته حلب في مطلع القرن العشرين، بقيت وسائل النقل مقتصرة على الدواب، وكانت مكانة الراكب الاجتماعية هي التي تحدد نوع المركوب، فالأغنياء ذو المكانة الرفيعة ركبوا الحمير البيض، والفقراء ركبوا الحمير السود أو الرمادية، كما كان الحصان أو الفرس وسيلة الانتقال الفردية السريعة، أما العربة (الحنتور) التي تجرها الخيل، فكانت احدى وسائل النقل التي ركبها الميسورون من أبناء المدينة، وكانت عربات الحناتير تعمل كوسيلة نقل عامة في حلب، ووجدت لها أماكن تجمّع في الساحات الرئيسية (الجميلية، تراب الغرباء، باب الفرج، باب الحديد، العبّارة).

Image result for ‫الترام في دمشق وحلب‬‎
وتوثق جمعية "العاديات"، الناشطة في جمع وحماية التراث الحلبي، دخول الدراجة العادية الهوائية كوسيلة نقل فردية حديثة في عام 1902، وظهور السيارة لأول مرة بحلب في عام 1909.
وبناءً على طلب أهالي حلب، قامت السلطات العثمانية بتنوير المدينة بالأنوار الكهربائية وتسيير ترام كهربائي، وحددت المسارات وتمت الأعمال من قبل شركة فرنسية (تراموي)، ونصبت الأعمدة وشبكة الأسلاك الكهربائية والخطوط الحديدية الأرضية خلال أعوام 1927 – 1929.
سارت أول حافلة ترام في حلب يوم الجمعة في 28 كانون الأول 1928، على خط الجميلية – جب القبة، ولكن حصل حادث اصطدام مروّع بين الترام وعربة حنتور، وكثرت الضحايا تحت عجلات هذه الآلة السريعة التي سماها الحلبيون (بنات عزرائيل)، وتناقلت الصحف الحدث بتنبيه الأهالي وجوب أخذ الحذر أثناء السير والانتقال عبر خطوط سكة الترام.

بُدأ بتسيير حافلات الترام رسمياً في حلب عام 1929، وكانت حركته على ثلاثة خطوط.
الخط الأول: الجميلية – باب الفرج – قسطل الحجارين – خان الحرير، وبلغ طوله 19577 متراً، وسُيرت عليه ثلاث عربات.

Image result for ‫الترام في دمشق وحلب‬‎

الخط الثاني: الرمضانية – الحميدية – النيّال – الاطفائية – التلل – باب الفرج – باب جنين – باب أنطاكية، وبلغ طوله 2339 متراً، وسُيرت عليه ثلاث عربات

الخط الثالث: الجميلية – باب الفرج – باب النصر – جب القبة – برية المسلخ ، وبلغ طوله 3000 متراً، وسيرت عليه خمسة عربات، واتخذت اجراءات الأمان بمنع مرور عربات الدواب في جادة الخندق لسلامة سير الحافلات دون عوائق، وبعد تدشين دار الحكومة (السراي)، أصبحت الحاجة ماسة لتمديد الخط 3 ونفّذ عام 1938، وتم زيادة الحافلات على الخطوط جميعها وبلغ عددها 21 حافلة، وكانت أقسام من الخط 3 مزدوجة، واستمرت تلك الخطوط تعمل كوسائط نقل عامة لمدة عشرين عاماً.
ووفقاً لعقد الاستثمار مع شركة (تراموي)، وبناءً على رغبة الحكومة السورية صدر في عام 1951 مرسوم تأميم الكهرباء والنقل المشترك بالحافلات الكهربائية، وفي عام 1955 تمّ إلغاء قسم باب الفرج – قسطل الحجارين، وفي عام 1956 تم الغاء قسم باب الفرج – الرمضانية، وفي نفس العام 1956 ألغيت عربات الحنتور بالرغم من قيمتها التراثية.
جُعل خط الترام مزدوجاً من برية المسلخ إلى حي القصيلة في عام 1957، وألغي قسم الدرجة الأولى لإزالة الفوارق الطبقية. وفي عام 1969 توقفت الحافلات الكهربائية (الترام) بشكل نهائي عن العمل في حلب، واستبدل النقل العام بتأمين باصات نقل داخلي.
أما في دمشق، فتعود بداية الترام إلى أوائل القرن العشرين، وتذكر شبكة "جيرون" الإخبارية نقلاً عن بعض المصادر التاريخية، أن شركة تأسست باسم "الشركة العثمانية السلطانية للتنوير والجرّ والكهرباء بدمشق" بمساهمة من شركة بلجيكية، وحصلت تلك الشركة على امتياز تنفيذ مشروع الترام في المدينة، تزامناً مع توليد واستثمار الكهرباء وإنارة دمشق وضواحيها.

Image result for ‫الترام في دمشق وحلب‬‎
بدأت رحلة الترام في مدينة دمشق عام 1907 من ساحة المرجة إلى باب مصر في منطقة الميدان، أعقبها بعد سنتين انطلاق خط آخر إلى الجسر الأبيض، ليكتمل بعد سنتين أخريين عام 1911 خط إلى منطقة المهاجرين.
أما الخط الثالث فكان يبدأ من الجسر الأبيض، وينتهي عند جامع الشيخ محي الدين ابن عربي، إضافة إلى خط رابع يصل إلى باب توما والعباسيين، كما كانت رحلة الترام تصل إلى بلدة دوما في الغوطة الشرقية، مروراً بقرى جوبر وزملكا وحرستا، لتعود في نهاية المطاف إلى ساحة المرجة.

Image result for ‫الترام في دمشق وحلب‬‎
ومن يتذكر ماضي مدينة دمشق الجميل وربوتها وغوطتها ونهر بردى، وما كان يجمع حوله من أمسيات وجلسات سمر، تلك التي كانت جميعها تضفي على دمشق الوداعة والجمال، لابد أن يتحسّر من تلك الحشرجة والنيران التي تنبعث من حواريها اليوم، بسبب ازدحام السكن ووسائل النقل وما تخلفه من تلوث وضجيج. أضف إلى ذلك ما شهدته دمشق، المدينة الأقدم في التاريخ، خلال الخمسين سنة الأخيرة مع أخواتها من المدن السورية الأخرى من تدهور عمراني وفني وخدمي على كافة الأصعدة..
أوقف الترام عن العمل في دمشق عام 1962 لأسباب عُزيت إلى خسارة الشركة المعنية حينذاك، وعلى الرغم من أن قضبان سكة الترام ماتزال مسجّاة في بعض شوارع دمشق، إلا أنها طُمرت بالأسفلت في شوارع أخرى، فالنظام الديكتاتوري الفاسد لآل الأسد عمل على تشويه المدينة بصورة ممنهجة، وقد فقدت دمشق خلال عقود حكمه الكثير من رونقها.

يمكنكم الاستماع للبث المباشر عبر الضغط (هنا)