شباب سوريا.. موت نظامي وموت احتياط

طرطوس
sputnik

القصص ١٧ فبراير ٢٠١٨ |نبيل علي
"قوم حبيبي من قبرك، الجيش طالبك عالاحتياط.. شباب قاعدين ببيوتهم، ما طلبوهم، وانت مستشهد من تلات سنين وتارك وراك خمسة أطفال طالبينك.. قوم حبيبي التحق بالاحتياط.. قوم".. كتبت زوجة عصام اسماعيل، المقاتل في جيش النظام السوري، في صفحتها في الفيس بوك. بعد أن استلمت طلب التحاق بجيش النظام، لزوجها القتيل.

لم يتوقف استدعاء الشباب السوريين إلى صفوف جيش النظام السوري، حتى أولئك الذين يستطيع النظام الاستفادة منهم أكثر، فيما لو بقوا في أعمالهم، أمثال الإعلاميين، والمهندسين والأساتذة.. لكن "سوريا تحتاج اليوم إلى مقاتلين، وفقط مقاتلين" كما قال ضابط الدورية التي داهمت منزل "أم عامر" في اللاذقية.

هرب عامر من منزله، بعد أن وصلته برقية تطلبه للالتحاق بخدمة العلم، حاول عامر في الفترات السابقة تأجيل عسكريته، بحجة متابعته لدراسته الجامعية، استنفذ فرص الرسوب في جامعة تشرين، ولم يعثر على "واسطة" تبرر له تأجيله للخدمة العسكرية.

"هربت من منزلي، ولجأت إلى أحراش قريتي السابقة، أسكن في أحد الكهوف مع اثنين من أصدقائي الفارين من خدمة الاحتياط، ونعيش من قطع الحطب وتفحيمه وبيعه لأحد تجار الفحم، حياتنا صعبة وقاسية"، قال عامر في حديثه لراديو روزنة.

يصارع عامر مشاعره المختلفة، بين أن ينهي هروبه ويلتحق بجيش النظام، ويشارك في معركة لا يعرف حدودها، ويحاول في إجازاته التي سيحصل عليها أن يعود إلى حياته الطبيعية أو يبقى في كهفه وبين حطبه وأصدقائه الفارين مثله، وبدون أية أحلام، إلى حين انتهاء الحرب.

"مشاعري اليوم مجروحة موجوعة متهالكة مثلي.. العمل الطويل والقاسي في الحطب يثبط مشاعري، ويدفعني إلى متابعة حياتي"، يقول عامر.

في محاولة منه لزيارة والدته في اللاذقية في فترة سابقة، طلبت منه ألا يغامر بالمجيء أبداً لأن دوريات الشرطة العسكرية تداهم المنزل كل فترة.

"التلقيط على أبو جنب" قالت له والدته.



وصلت دعوة لمنزل أم حسن في طرطوس، تطلب من ولدها الوحيد الالتحاق بخدمة العلم- احتياط.. اعترضت أم حسن، وراجعت شعبة التجنيد المسؤولة عن الدعوة، وكانت إجابة الضابط لها واضحة وصريحة.

"قال لي بكل عين وقحة: ابنك الكبير ما مات، انت هربتيه لخارج سوريا منشان تحمي ابنك التاني، ابنك التاني ليس وحيد أمه.. هالأمور ما بتمشي علينا ارجعي عالبيت وخلي ابنك يلتحق بالجيش، وإلا...". تقول أم حسن لراديو روزنة.

تضيف: "استشهد ولدي الكبير في الغوطة منذ بداية الأحداث في سوريا، كان قد وقع أسيراً لدى إحدى المجموعات المسلحة حين كان يقوم بخدمته الإلزامية، ثم نقل لنا أحد أصدقائه الذي استطاع الهرب من الأسر، أن ولدنا لم ينجح في الهروب وأنهم قتلوه".

لم تتسلم أم حسن جثة ابنها، ولا تعرف أين قبره، ولم تساعدها السلطات الأمنية والعسكرية النظامية في الحصول على معلومات تؤكد مقتله بعد أسره، لم يساعدها أحد في تلك الأجهزة الأمنية الكثيرة في معرفة ما حدث وكيف حدث، ولم تستطع التواصل مع ناشطين في الغوطة لمعرفة التفاصيل، لكن أحد الضباط في جيش النظام الذي يعمل في قطاع ريف دمشق زارها بدون أي مهمة رسمية.. "قبّل يدي وجبيني، وترحّم على ابني الشهيد، وطلب مني أن أصبر وأن أعتني بابني الثاني والذي أصبح وحيدا"، تقول أم حسن.

الأمور تتغير، وحاجة جيش النظام إلى مقاتلين في هذه الفترة، تفتح الباب واسعاً أمام استدعاء كل الأفراد، حتى الوحيدين لأمهاتهم، لا ينفذون منها.

"يكفي أسرتنا فقدان شاب واحد، فقدت ابني البكر، أما أن أفقد ابني الثاني فلن أسمح بذلك أبداً، حتى لو هربته إلى خارج سوريا.. أنا يجب أن يموت أولادي في الحرب أما زعامات الأمن والسياسة، فأولادهم في أمان!" تقول أم حسن، وتضيف "عندما أرى أبناء الضابط الأمني السابق بهجت سليمان في الحرب سأرسل أولادي للحرب".

تتمنى أم حسن أن يكون بكرها على قيد الحياة، وعندما تتأكد من ذلك سترسل ولدها الثاني للحرب، لكن اختفاءه وحديث صديقه عن أسره وقتله وتعزية الضابط لها، واختفاء أي أثر له بعد مضي كل هذه السنوات، تؤكد أنه قتل، والآن لأن جيش النظام يحتاج إلى مقاتلين، يسارعون لطلب ابنها الوحيد للخدمة، فهذا ما لا تستطيع أن تقدمه لهم حتى لو وصفوها بالخائنة.

"مات ابني البكر، ثم تجاهلوا موته، وحرموني من رواتبه، ومن وصفه بالشهيد، والآن يقولون إنه هرب من المعركة، وأني أرسلته خارج البلاد، وقلت إنه قتل حتى أحمي ولدي الثاني، إذا كان هناك خيانة ما، فهي خيانتهم لدماء ولدي وتضحيته"، تختم أم حسن.