الثورة والفنون الناقصة

القصص ٣٠ يونيو ٢٠١٤

لاقى تعبير "فنون الثورة" رواجاً كبيراً في السنوات الأخيرة، ولأنّه لم يتم التدقيق فيه نقديّاً، راح الناشطون، لا النقاد أو الفنانون، يسعون إلى جعله تعبيراً شاملاً لكلّ الأعمال الأدبيّة والفنيّة التي تتناول الثورة، بغضّ النظر عن قيمتها الفنيّة، فالمعيار الأوّل والوحيد، هو الانشغال بموضوعة الثّورة.

أنْ يصبح الموقف السياسيّ موقفاً جماليّاً وفنيّاً ذلك يعني أنَّ السَّطحيّ مقبولٌ، بل مطلوبٌ أكثر من المركّب، ويعني أيضاً، أنَّ للفنِّ دوراً إعلاميَّاً أهمّ من دوره الجماليّ والتاريخيّ.

يعلّمنا التاريخ أن اللحظات العصيبة تفرز مدافعين عن أفكار معينة ضدّ أخرى من خلال تعبيرات فنيّة وأدبيّة، ولدينا في السّجلين الأدبي والفني أمثلة ساطعة، لكنّ الحقيقة أن علاماتها المضيئة كبابلو نيرودا، وبروتولد بريخت،  وغارسيا لوركا،  ومحمود درويش،  ليسوا سوى اصطفاء من ركام أدبي هائل، جلّه أيديولوجيّ هدفه التحريض. السرّ في هؤلاء هو تعبيرهم عن علاقة اللحظة المعاشة بالقيم التاريخية الخالدة، كما أنهم كتبوا عن قضايا سياسية من زاوية عيشها، وارتباط حيواتهم ومصائرهم بها، لتماهٍ كامل بين الخاص والعام، لا كمجرد خدمة إشهارية.

ولكوننا الآن في خضم المشهد، وفي لحظة ما قبل الفرز التاريخي والنقدي لا نكاد نميّز بين المطامح السياسية والتعبيرات الفنية عنها، ناهيك عن الحاجة الدعاية التي يمثّلها الفن للقضية السياسية، ولهذا سيبدو المشهد أكثر اشتباكاً وتعقيداً خصوصاً في الحالة السورية، فما حدث من فوضى في الكتابة والمسرح والموسيقى والسينما يشبه إلى حدّ كبير الفوضى السياسية نفسها، ذلك أن كثيراً مما أنتج لم يكن فناً، ولا حقّق الدعاية المطلوبة.

أكثر ما تبدو هذه المثالب جليةً في السينما، فخلال السنتين الفائتين خرجت كميّات كبيرة من الأفلام لا سيما التسجيلية، ولاقت اهتماماً ورعايةً بسبب الحماسة الفائقة لمعرفة أحوال الداخل السوري. منها على سبيل المثال،  فيلم "صباحاً أخاف، مساءً أغني" (إخراج: سلمى الديري ورولا لادقاني)، الفيلم الذي يتحدّث عن فتاة تغني للثورة في تحدٍّ مزدوج، يتمثّل في تحدّيها السلطة العائلية ومواجهتها السلطة السياسية الاستبدادية في آن معاً. الفتاة تخوض حربين معاً، الأولى ضدّ قمع الأنثى والثانية حربُ مُواطنتها. وخلال سردها لقصتها وتقديمها للأغاني التي كتبتها عن الحراك الثوري مستعيرةً ألحانها من أغانٍ معروفة؛ لا نرى وجه الفتاة، بل كل ما نراه مقطعٌ أو تفصيل من العينين أو الفم. لا شك أن ذلك لضرورات أمنية، لكنّ الثورة بالمعنى الجذري للكلمة تفترض أن ينتهي الفيلم باكتمال وجه الفتاة أي اكتمال الصورة، وهو ما يعني انتزاعها لحريتها، لشخصيتها، لسيادتها، بحيث يُنهي خيارها عبر المشاركة بالكتابة والغناء خوفَها من السلطتين معاً، لكن هذا لا يحدث لأنّ الحسم الحقيقي لم يتم أصلاً، ولأن الحكاية لم تكتمل. صنّاع الفيلم يفوّتون هذه الرسالة المهمة مكتفين بتقديم ما تيسّر بحكم الظرف الراهن. ولعل فكرة "ما تيسّر" بحدّ ذاتها تحول دون تقديم رؤيا سورية خاصة، في هذا العمل وسواه.

كذلك الأمر بخصوص الشعر، فقد بات هناك من يصنّفه تحت غرض "شعر الثورة"، وهذا الشعر يندرج في إطار الشعار أكثر من اندراجه في الشعر كأحد الفنون الإنسانية. وقد لعب "فيس بوك"، بإيجابية حيناً وبسلبية في أحيان أكثر، الدور الأكبر على هذا الصعيد.

وحدها الفنون التشكيلية بمختلف أنواعها، استطاعت ما لم يستطعه سواها في القراءة والمواكبة على حدّ سواء، إلى درجةِ أنها انتزعت من الشعر قدرته التي تحلّى بها لعقود بوصفه الفنّ الأكثر تجاوباً مع الأحداث. ناهيك عن ظهور موجة ثورية من الفنون الحديثة وجدت في المناخ العاتي فرصتها للمواءمة بين الفن والموقف السياسي، وفي الوقت نفسه قدمت لغة تتجاوز اللغة المنطوقة في ذهابها إلى لغة عالمية، تخبر بما لا تنقله وسائل الإعلام، كما أنها تملك القدرة على تخليد مادة الألم السورية.


مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات روزنة