هل يمهّد الأصوليون طريق العلمانية؟

القصص ٠٧ أغسطس ٢٠١٤

سنوات مضت، نُظُمٌ عدّة تهاوت أو تكاد، وباستثناء الحالة التونسية لا يبدو أنّ ما سمّي "الربيع العربي" قد حمل الخير إلى البلدان التي زارها. فالثابت، في مختلف "المحطّات الربيعيّة" ما بعد تونس، وجود عوامل مركّبة دفعت إلى تنامي الأصوليّات الدينيّة وتصاعد تأثيرها السياسي، بالتوازي مع سيطرتها على الأرض وفي الفضاء العام. لعلّ المثال الأخطر إعلان تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" إقامة "الخلافة الإسلامية"، وتحول "دولة الخلافة" قوّةً وازنة على الأرض لا يمكن إهمال تأثيرها الراهن والمستقبلي. لا يغيّر من خطورة هذا الدور أوهام البعض عن ارتباطات التنظيم بأجندات أو بأجهزة مخابرات إقليمية أو دولية.
دوافع أيديولوجية، استخدام مفرط للعنف، تدخّلات خارجية، جميعها مهّدت لانكشاف اللوحة العربية عن مزيد من تشابك علاقات المستويين السياسي والديني/الطائفي، وتداخلهما في آلية ممارسة السلطة وإنتاجها وتوزيعها، وفي إدارة الصراع عليها، سواء لدى السلطات الحاكمة، أو المعارضات المختلفة وجمهوريهما.
والحال أنّ الصراع السياسي الاجتماعي ذو الخلفية الاقتصادية انزلق في معظم الحالات إلى اقتتال أهلي، ديني/طائفي، اكتسى طابعاً "مقدّساً". فازدهر "الجهاد" و"الجهاد المضادّ"، وتراجعت الأبعاد الاقتصادية الاجتماعية للصراع لصالح حروب دينية طائفية، تمثّل في جانب منها امتداداً لنزاعات إقليمية لا ناقة للشعوب فيها.
على أنّ هذا الفصل القاتم، بما حمله من دمار وانتهاكات يندى لها القلب، لن يكون خاتمة الصراعات التي تشهدها المنطقة. فهل من رهان آخر بعد كل الكوارث والمآسي التي سبّبها تديين الصراع وتطييفه وما أسفر عنه من إعادة إنتاج للاستبداد، سواء بإنعاش النظم القائمة أو بولادة نماذج دينيّة قادمة من جوف التاريخ. ألا تصلحُ هذه التحولات مدخلاً لتغيير ديمقراطيّ جذريّ، يؤسّس لإقامة دولة حديثة، عصرية، تقوم على المساواة القانونية والسياسية بين جميع مواطناتها ومواطنيها، دون أي تمييز على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو المذهب أو سواها؟
من هنا يغدو لازماً الحديث عن "العلمانيّة"، والقول براهنيّة السعي لتبنّيها، باعتبارها قدّمت حلولاً للنزاعات الطائفية، وأنهت عقوداً من الحروب الدينيّة في غير مكان، فكانت أسّ التحديث والدمقرطة.
خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، شهدت أوروبا ضرباً من الصراع المركّب. ثارت البرجوازيّات الصاعدة بأفكارها الليبرالية ضدّ الملكيات الإقطاعية المستبدّة. كما واجهت "الأصولية المسيحية" التي تلتزم حرفية النص الديني وبالتالي ترفض إعمال العقل في المسائل الدينية، نزعةً علمانية ترى وجوب تأويل النص الديني في ضوء أعمال العقل، خاصّة وأنّ العلم بات قادراً على تقديم رؤية علمية كونية تناقض الرواية الدينية وتفسيراتها، وصولاً إلى الفصل بين المجالين الديني والدنيوي لتحقيق مصالح البلاد والعباد.
كان صراعاً مديداً بين توجّه يرنو نحو المستقبل، وبين التقليد وعبادة الماضي وممانعة التجديد. بين دعاة العودة إلى العقل البشري في شؤون دنياهم وحق الإنسان في تقرير مصيره في التاريخ، وبين من يصرّون على الاحتكام إلى النصوص الدينية وتدخّل "الإرادة الإلهية" في مجرى التاريخ. مضى العقل يشقّ طريقه لينهار الاستبداد وتندحر الأصولية الدينية وتولد أوروبا الحديثة.
جاء ذلك في سياق فاعليّة اجتماعية سياسية موضوعيّة مستمرّة، قامت على نزع صفة القداسة عن أيديولوجيّات وآليات الصراع بين الفئات ذات المصالح المتعارضة في المجتمع، بغية الوصول إلى "دولة" على مسافة واحدة من جميع مواطنيها. تدير صراعاتهم وتحلّ تناقضاتهم دون أن تكون طرفاً فيها، أو أن تنحاز إلى فريق دون آخر. هذا بالضبط معنى العلمانية، وهي على هذا النحو شرط لازم (وليس كافياً) لصوغ العقد الاجتماعيّ الجديد، عقد دولة المواطَنة وحقوق الإنسان.
فهل سيمارس التاريخ مكره وتشقّ العلمانية طريقها في البلاد العربية بسواعد "المجاهدين"؟!


مقالات الرأي لا تعبر عن رأي روزنة بالضرورة انما تعبر عن رأي كاتبها.