لا عيب في الاستقالة

القصص ١٤ سبتمبر ٢٠١٤

بعد تسعة أيام من تشكيل الحكومة الفرنسية الجديدة، استقال وزير دولة لكشف الصحافة عن "نسيانه" القيام بالتصريح الضريبي لمدة ثلاثة أعوام متتالية. كما أشارت الصحف إلى أنه امتنع أيضاً عن سداد أجرة شقة يسكنها في باريس لمدة مماثلة. فضيحة أساءت بشدة للحكومة التي كانت بغنى عن هذه الأزمة حيث رئيسها كما رئيس الجمهورية يقبعان في أدنى المراتب في استطلاعات الرأي.

بعد الاستقالة، تم ابعاد الوزير المعني من عضوية الحزب الاشتراكي بقرار من أمانته العامة، واستغرب رئيس الوزراء كيفية بقاءه عضواً في البرلمان رغم كل ما اقترفه من تجاوزات مالية. ولكن الانتخاب يحمي، فهو نائب عن الشعب ويُصرُّ على أن ليس لأحد سلطة إقالته إلا في الاقتراع القادم سنة 2017.

لعل التهم التي ووجه بها الوزير الفرنسي تُضحك أكثر من مواطن في المنطقة العربية، بحيث أن هذه الممارسات تكاد تكون ضرورية لتبوء منصب في الادارة الرسمية او في الأجهزة السياسية والأمنية. وكنتيجة المخاض الأخلاقي والفساد المالي المتفشي في تلك الدول، فقد ثارت شعوبها المُفقرة والمحرومة من حريتها ومن كرامتها ضد أنظمة فاسدة مستبدة دمّرت الزرع والضرع واستغلّت ثروات طائلة لم تنجح كل القوى الاستعمارية المتعددة الأشكال والألوان من أن تقوم بما يشبهها من ممارسات.

وأهم القواعد التي رسّخت لثقافة السمع والطاعة، كان انعدام الحق بالاستقالة من أي منصب. فالتسريح و "البهدلة" هما الأسلوب الأنسب لابعاد المزعجين ممن انتهت صلاحيتهم أو ممن تنخّى ومارس عمله بشرف وبائتمان عالى المصلحة العامة.

وفي وقت قريب، اختار وزير سوري الابتعاد عن مسؤوليته الحكومية لعدم رغبته في الكذب في المؤتمرات الدولية أو التغطية على سياسة فاشلة كما كان يُطلب منه أن يفعل. فاعتبرت رغبته تحديّاً سافراً لأولي الأمر، وتم الضغط عليه بوسائل عدة، لكي يبقى في منصبه وتتم إقالته لسوء الاداء، وهكذا كان. ومن منا لا يذكر ما حصل مع المرحوم عصام الزعيم الذي اعتقد يوماً بأن هناك عملية إصلاح قد انطلقت وأراد أن يكون في مقدمتها. وعندما بدا بأنه جديٌ في عمله، رافضاً أن يكون واجهة لإدارة فاشلةومبرراً لسياسات فاسدة ضمن منظومة متكاملة، تم اختراع ما يلزم لإهانته ولاتهامه بفسادٍ كان شغله الشاغل أن يحاربه.

من طبيعة عمل النظم الشمولية، رفض اختيار "المسؤول" لتوقيت خروجه من اللعبة. فالأمنوقراطية السائدة تقرر متى يدخل ومتى يترك، متى ينجح ومتى يفشل. بالمقابل، انتظر السوريون أن تُمثّل المعارضة بأشكالها، نموذجاً مختلفاً، وتُدخل مفهوم الاستقالة في ممارساتها. وإن استبعدنا مسألة سوء الائتمان، بافتراض أن لا أموال تغري، فإننا نبقى عاجزين أمام تفسير الإصرار على عدم الشعور بالمسؤولية السياسية. وبالتالي، وبعد الاستمرار في الفشل سياسياً على الأقل،لم يستقل أحد ممن تصدّر مقدمة المشهد، أو جوانبه أو حتى مؤخرته، إلا فيما قلّ وندر.

ألم يشعر أحد بفشله في مهامه؟ أو أنه لم ينجح في مساعيه الحميدة سياسياً أو انسانياً، أو حتى عسكرياً، رغم كل جهوده التي يُشكر عليها ؟ ألم يشعر أحد بوجود من هو أقدر منه في مهمة ما؟ إن الشعور بالفشل منعدم وإن تمت المواجهة، فالتبريرات جاهزة. أما عامل السن وإقصاء العنصر الشاب والمرأة، فلا حرج فيه بالطبع. ولم يفطن أحد أيضاً إلى تأثير المنبت الإيديولوجي على تضييق زاوية الرؤية لمشهدٍ يعني شعباً بكامله. الجميع مستمر وكأن شيئاً لم يكن. في الداخل كما في الخارج. لم يخطئ أحد ولم يفشل أحد. إنها المؤامرة الخارجية.


مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات روزنة