أبواب سرّية.. وسيقان مكسورة.. مفاتيح الهرب من "العسكرية السورية"!

دمشق
القصص ١١ مارس ٢٠١٨ |أحمد ظاظا
يلجأ العديد من السوريين إلى أساليب متنوعة للتحايل على الموت في بلادهم التي أنهكتها الحرب، فمع تزايد حالات سوق الشبان إلى الخدمة الإلزامية والاحتياطية مؤخراً، بات العديد من الشبان المقيمين في مدينة دمشق يبتكرون أفكاراً غريبة من نوعها، على أمل النجاة والخلاص من الموت المحتم، وذلك باستخدام كافة الوسائل الممكنة للحؤول دون التحاقهم بالخدمة العسكرية.

كسر قدميه بمساعدة زوجته عقب دعوته لخدمة الاحتياط!


محمد (35عاماّ) متزوج ولدية طفلان، يعيش في أحد أحياء دمشق القديمة ويعمل كبائع لأجهزة الموبايلات، يعاني أحمد كغيره من الشبان، ويرفض الالتحاق بخدمة العلم، كما يرفض الذهاب إلى الموت بقدميه للدفاع عن رأس السلطة السورية على حد وصفه.

ويتابع: "قبل عام تقريباً، علمت بأنني مطلوب إلى خدمة الاحتياط فأصبت بالذعر الشديد، ولم أعرف ما العمل".

ويتابع أحمد "في إحدى المرات شاهدت فيلماً عن شاب كسر قدميه لكيلا يذهب إلى الجيش وقررت تقليده بدون تفكير، فشربت جرعة من الكحول وطلبت من زوجتي ضربي بعصى غليظة على قدميّ الاثنتين لكسرهما".

و"لكن زوجتي أصابتني بعدة جروح في قدميّ ولم تستطع كسرهما لأنها لم تمتلك الجرأة على القيام بذلك، وعلى الفور ذهبت إلى المشفى ورشوت الممرض لكي يجبّر لي قدمي ويعطيني تقريراً طبياً ونجح الأمر".

بعد فترة قصيرة علم محمد من أحد أصدقائه، بأنّ الأمن لو داهم منزله فلن تسعفه قدماه المكسورتان من سوقه إلى خدمة الاحتياط، فإنّ جميع السوريين ما بين عمر الـ 18 والـ 42، باستثناء من يعانون من مرض عضال
أو عجزٍ جسدي ملحوظ، إضافة إلى الشاب الوحيد، فإنّ أولئك مطالبون بتأدية الخدمة الإلزامية، والاحتياطية لدى استدعائهم إليها.
مخبأ جديد بعد فشل محاولته الأولى

بدأ محمد في البحث عن حلول بديلة، كي تعينه على الهروب من اعتقاله وسوقة لخدمة الاحتياط، وعلم بوجود منطقة في ريف دمشق، "وادي بردى"، وهي منطقة تابعة إلى لجان شعبية كانت معارضة فيما سبق لقوات لنظام.

فاتفق أحمد مع أحد معارفه المتواجدين في تلك المنطقة والذين يعملون مع اللجان الشعبية، على أنه وفي حال وصوله إلى تلك المنطقة، فلن يستطع أحد سوقه لخدمة الاحتياط، بما أنه أصبح محمياً من قبلهم، وذلل مقابل دفعه مبلغاً صغيراً من المال.

وتابع قائلاً "حصلت على رقم مهرب وهو سائق لدى ضباط الأمن السوري وطلب مبلغ 400 دولار، متضمنة حصولي على هوية جديدة.. كانت أيام انتظاري الهوية الجديدة من أصعب ما عشته.. متوتر طوال اليل، أشعر بأن المداهمة أصبحت قريبة مني".

"خطرت لي فكرة بلف نفسي بسجادة وجعل زوجتي وأطفالي وضعي تحت السرير وأنا بداخل السجادة في حال حصول أي مداهمة وتدربنا عليها، لكن الحمد الله أننا لم نضطر لهذه الطريقة لم أعلم إن كانت ستنجح".
منذ انتقال الحراك في سوريا إلى عتبة التسلح والعسكرة، وجد جيش النظام نفسه يقاتل على جبهات عدة على اتساع البلاد علماً أن طول مدة الحرب جعلت النظام يلهث خلف ضم مقاتلين جدد لصفوف القوات المسلحة.

وذلك الأمر عجل في إصدار جملة تشريعات تربط أغلب الدوائر الحكومية بشُعب التجنيد، إذ أصبح الحصول على موافقات التوظيف والسفر والزواج يتطلب غالباً إشعارات تأجيل مصدقة أصولاً من دوائر التجنيد ووزارة الدفاع.


شابان يصنعان باباً سرياً للهروب من المداهمات  

حال أحمد كحال الشابين ابراهيم (23عاماً)، وياسر (38عاماً)، أحدهما مطلوب إلى خدمة الاحتياط والآخر مطلوب إلى خدمة العلم الإلزامية، لكن من حسن حظهما أنهما يقطنان في بنائين ملتصقين بحائط واحد، إلا أنّ لهما مدخلان منفصلان، كل واحد منهما يقع في شارع مختلف عن الأخر، وحول ذلك يخبرنا إبراهيم:

"منذ عدة أشهر، تمّ طلبي إلى خدمة العلم الإلزامية عقب تخرجي من كلية الآداب، وكنت أخشى الالتحاق بخدمة العلم التي تطول لأمد غير محدد، كما كنت أخشى من الموت هنالك.

"قبيل طلبي لخدمة العلم، كان عناصر الأمن يقومون بمداهمة حينا، وكان منزلي في مقدمة المنازل التي تتم مداهمتهما، وجرت العادة أن أقوم بالضرب على الحائط بمجرد خروجهم، حتى أقوم بتحذير جاري ياسر من المداهمة، ومن هنا خطرت لي الفكرة بثقب الحائط وعمل باب صغير ما بين منزلي ومنزل ياسر خلف الخزانات، علّي أهرب إلى منزله عند المداهمات أو العكس ".

أما ياسر فهو يشعر بأن لا قيمة للتضحيات في بلد "ينهب خيراتها المسؤولون الحكوميون"، يخبرنا "أجرب كل الطرق لكيلا أمسك (أي يقتاده النظام السوري إلى الخدمة في الجيش) لا أريد أن أموت في سبيل شخص وكما يقولون أبن الغني على بيروت وأبن الفقير إلى التابوت".

ويتابع "لذلك ثقبنا الحائط والحمد الله في كل مرة ننجح في الهرب لكن في إحدى المرات قاموا بمداهمة منزلنا أولاَ وأنا لست معتاداً أن يكون منزلي الأول، لذلك لم يتسنى لي الوقت للهرب"..

"اختبأتُ خلف الباب ولحسن حظي أن العسكري فتح الباب ولم يدخل إلى الغرفة.. نظر نظرة سريعةً إلى الغرفة وذهب لكنني منذ ذلك اليوم أبقى متيقظاً".

سعيد يبتكر مخبأً سرياً بمساعدة والده

مع اتساع طلب "الاحتياط" نتيجة الخسائر البشرية المتواصلة في العمليات العسكرية الدائرة في البلاد، وبالتالي زيادة تخلّف المطلوبين، لجأت أجهزة النظام السوري إلى مزيد من الإجراءات المتشدّدة.

وكان أبرزها الدوريات الراجلة في الشوارع، وهي دوريات متنوعة الاختصاص، فمنها شرطة عسكرية وأمن دولة أو مخابرات جوية، وأضعفها دوريات الشرطة المدنية، وتتحرّك جميعها بسيارات سوداء مغلقة (أطلق عليها السوريين اسماً فكاهياً كعادتهم: أم كامل)، وهذه الإجراءات دفعت سعيد (20عاماً) إلى اتخاذه "قراراً" بعدم الخروج من المنزل أبداً حتى نهاية الحرب على حد تعبيره.

ويضيف سعيد "من شدة خوفي من السوق إلى خدمة العلم قررت بناء مخبأ.. فكرت بكل شيء تقريباً وفي النهاية صنع لي والدي صندوق صغير مخفي تحت نهاية التخت من جانب رأس والدي، وساعدني بذلك حجمي صغير وقدرتي على الجلوس بطريقة القرفصاء".

كما أن الصندوق كان مصنعاً بشكل جيد وكأنه من صلب السرير فوالدي نجار مبدع، في حين تقوم أمي بمراقبة الشارع طوال الليل خوفاً من المداهمات، وأقوم أنا عنها بأعمال المنزل في الصباح".

تتناوب عائلة سعيد على الاستيقاظ طوال ساعات النهار والليل خوفاً من أية مداهمات، وحتى تقوم بإعلام سعيد بلزوم الذهاب إلى المخبئ في الوقت المناسب كما تخبرنا والدته:

"أستيقظ في الساعة الرابعة ظهراً وأنام في الرابعة فجراً، وأعد الطعام في الليل.. لن تعود حياتي كما كانت قبل الحرب كما لا أريد لابني الذهاب إلى الموت".

وتتابع "منذ ذلك الحين ولم نعد نستقبل أي ضيوف في المنزل، في الحقيقة أنا قلقة على أبني إن طالت مدة بقائه في المنزل أكثر من ذلك، فمن المؤكد أنه لن يستطيع التأقلم مع المجتمع مرة أخرى "

مؤخراً، أعاد رجل الأعمال والنائب في البرلمان السوري، محمد حمشو، طرح فكرة البدل الداخلي، الذي يعفى بموجبه المكلفون من خدمة العلم لقاء دفع مبلغٍ، يحدد لاحقاً، إلى خزينة الدولة مع إسقاط شرط السفر والاغتراب.

وانقسم الشارع حيال مقترح البرلماني السوري، إذ اعتبر البعض أن هذا الحل يجعل جيش النظام مكوناً من الفقراء فقط، في حين يعفى الأغنياء والميسورون من خدمة العلم.

وفي المقابل رحب عدد كبير من شبان سوريا بمقترح حمشو، ورأوا فيه فرصةً لمنع هجرة الكفاءات إلى الخارج، ووسيلة لرفد خزينة الدولة بالقطع الأجنبي بصورة تساعد على رفع رواتب العسكريين، الأمر الذي قد يشجع مزيداً من الشبان على الالتحاق بصفوف جيش النظام.