الرياضة السورية.. حياةٌ على وقع مدافع الحرب

Rozana

تحقيقات ١٣ فبراير ٢٠١٨ |روزنة | مالك الحافظ - ميس قات

الساحة الكبيرة التي كانت مقراً لتنظيم "داعش" قبل انسحابه من بلدة "يلدا"، باتت اليوم مركزاً للتنمية والتدريب جنوب العاصمة السورية دمشق؛ نفس الساحة التي لطالما وقف مقاتلوا التنظيم فيها خلال السنوات الماضية، حوّلها ناشطون مدنيون ورياضيون اليوم لملعب كرة قدم احتوى بطولات محلية بسيطة نظمها شباب متحمسون بعد خروج تنظيم داعش من المنطقة.

 

رياضة ضد الحرب

 
فيما يعيش الناس دويّ الحرب في سوريا، يموتون ويختفون داخل البلاد أو يهربون من قسوتها عليهم.  يصرّ آخرون على خلق الفرص للتنفيس عن خوفهم وقلقهم، ومتابعة متع الحياة مهما كانت صغيرة.

 تراجعت النشاطات الرياضية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة في سوريا، وتعرضت غالبية المنشآت الرياضية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية للتدمير بفعل قصف طائرات النظام السوري والاشتباكات العسكرية وباتت غير صالحة للاستعمال، وتحولت المدينة الرياضية الشهيرة في اللاذقية على الساحل السوري إلى مركز لاستقبال النازحين، خاضع لرقابة قوات أمن النظام السوري وتحكّمه الشديد بتحركات النازحين ومواعيد خروجهم ودخولهم إلى المركز؛ فيما حولت قوات المخابرات السورية العديد من الملاعب والصالات الرياضية إلى مراكز اعتقال وتعذيب لمئات المعارضين السوريين طوال السنوات الماضية.
 
انهارت فرق رياضية بالكامل وتفرق أعضاؤها.  يقول عبد الله الخطيب وهو منسّق مركز رياضي في بلدة يلدا التي تسيطر عليها قوات المعارضة جنوب العاصمة السورية دمشق، وأنهم جهزوا المكان ليصبح ساحة للعب وتنظيم البطولات الرياضية "تم تنظيم ستة دوريات كروية خلال العام الفائت، ثلاثة منها للشباب وثلاثة للأطفال"، المشجعون يحضرون المباريات كما يقول عبد الله، ويستطيع اليافعون في المنطقة الحصول على تدريبات يومية بسيطة ومواعيد محددة لاستخدام الملعب خلال الأسبوع.

يؤكد عبد الله في حديثه لروزنة "الأهالي بحاجة لأماكن مشابهة ونشاطات رياضية دائمة، لأنها غالباً ما تخفف الضغط والتوتر النفسي الناجم عن الاشتباكات العسكرية القريبة".

 
 
  
في المدن والبلدات السورية نسمع بين الحين والآخر عن مبادرات أهلية لتنظيم ماراتونات جري، أو مباريات كرة سلة أو كاراتيه وما شابه من الألعاب الأخرى التي يفضّل العديد من السوريين ممارستها. ففي العاصمة دمشق الخاضعة لسيطرة النظام السوري أطلق ناشطون مدنيون حملة "يلا ع البسكليت" داعين الناس لمزيد من الحركة واستعمال الدراجات الهوائية بدل وسائل النقل التقليدية التي تسبب الاختناقات المرورية في المدينة، الحملة أيضا نظمت العديد من السباقات والنشاطات الرياضية الموازية.
 
 

فيديو لمباراة كرة قدم في بلدة سراقب الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية في الشمال السوري

 
وفي ريف مدينة حماة وسط البلاد، حيث تسيطر مناطق المعارضة السورية على عشرات القرى هناك وتحاصرها قوات النظام منذ أشهر طويلة، اتفق ناشطون الأسابيع الماضية على تنظيم منافسات رياضية  خاصة بمن أطلقوا عليهم "الرياضيون القدماء"، ونظموا مباريات كرة قدم شارك فيها ست فرق تتبع لقرى وبلدات عدة في المنطقة. ويقول الكابتن خالد مرزا رئيس اللجنة المنظمة للبطولة لروزنة " قررنا افساح المجال للاعبين الذين تجاوزت اعمارهم ال40 عاماً اللعب من جديد..  هذه هي المرة الأولى التي تقام فيها مباريات مشابهة منذ فترة طويلة".
 
 

فيديو لمباراة للرياضيين القدماء، في ريف حماة بالمناطق التي تسيطر عليها المعارضة

 
تقول لمى وهي تنظر إلى مجموعة أولاد يلعبون بعيداً "الناس بحاجة للخروج من ضغط المعارك والقتال وأن يفرحوا ولو قليلاً جداً.. الرياضة تفتح لنا هذه النافذة الجميلة". وتضيف "نأتي إلى هنا لنشجع اللاعبين ونفرح بغض النظر عن النتيجة!".
 

الرياضة عندما جمعّت السوريين

 
استطاع المنتخب السوري خوض تصفيات مونديال روسيا 2017 وجمع متابعي كرة القدم السورية من معارضي النظام السوري ومؤيديه حول شاشات التلفزيونات في كل مكان، وذلك بعد أن وصل أفراد المنتخب إلى عتبة التأهل للمرة الأولى بتاريخ سوريا لنهائيات كأس العالم الكروية.

لفترة طويلة جداً لم يكن هناك ما يجمع السوريين بمختلف توجهاتهم كما جمعتهم كرة القدم السورية، ورغم تبخر الآمال الرياضية السورية بعد الهزيمة مع الفريق الاسترالي وعدم متابعة الفريق للتصفيات النهائية، إلا أن النقاش الحامي حول تشجيع الفريق استمر لأسابيع طويلة بعدها فالحوارات الحادة نشبت بين محبي كرة القدم، والعديد من الأشخاص رفضوا تشجيع فريق كرة القدم الذي رفع علم النظام السوري في الملاعب، بالرغم من وجود لاعبين معارضين في التشكيلة النهائية.
 
 يقول الصحفي الرياضي السوري "مازن الريّس" في حديثه لراديو روزنة أن الرياضة قربت بين الفئتين الموجودتين في البلاد مضيفاً "نحن نعلم أن لاعبي المنتخب السوري قد تضرروا جميعهم بمختلف توجهاتهم نتيجة ما حصل في سوريا خلال السنوات الماضية".

وتابع قائلاً " بالتأكيد أن الرياضة ساهمت بالتقارب، ووصول المنتخب السوري لمرحلة متقدمة من التصفيات المونديالية كان إيجابياً، فالجميع يبحث عن فرحة وأمل!" 

واعتبر الريس أن أي انجاز أصبح ينسب الى المعارضة أو إلى النظام وليس إلى سوريا الواحدة، مضيفاً "الرياضة بكل تأكيد ستسهم في خلق حالة إيجابية تجمع الشعب السوري ولكن يجب أن نفصل الرياضة عن السياسة؛ كي يفرح جميع الشعب السوري بأي انجاز رياضي ممكن أن يتحقق".
 
 

كيف عاشت الرياضة على وقع أصوات المدافع؟

 
اختلفت ردود افعال الرياضيين السوريين حول الحرب في سوريا، فمنهم من اتخذ مواقف سياسية، ودفع ثمنها، بعضهم تعرض لاعتداءات أو اعتقال أو حتى التصفية الجسدية؛ وبعضهم الآخر هرب ليبحث عن مستقبله خارج البلاد.

وقالت الهيئة السورية للرياضة والشباب في تصريح خاص لراديو روزنة أن هناك أكثر من مائة رياضي معتقل حالياً، لا يمكن التأكد فعلا سلامتهم جميعاً، أو تعرضهم للتصفية لأن مصير العديد منهم بات مجهولاً بعد الاعتقال خاصة في سجون النظام السوري.

قُتل لاعب نادي الكرامة السابق لكرة القدم (جهاد قصاب)، فيما مازال لاعب نادي الجيش لكرة السلة (سامح سرور) ولاعب نادي الشرطة لكرة القدم (عامر حاج هاشم) معتقلين في سجون النظام السوري حتى الآن.
 
حمل بعض الرياضيين المعارضين السلاح ضد قوات النظام كحارس نادي الكرامة لكرة القدم (عبد الباسط الساروت)، والمهاجم السابق لنادي الوحدة الدمشقي (نبيل الشحمة)، تاركين الرياضة متفرغين للقتال ضمن تشكيلات المعارضة السورية.
 
ورغم الظروف الصعبة التي مرّ بها هؤلاء الرياضيون الشباب، إلا أن ذلك لم يمنعهم من حصد الجوائز والتميز على الصعيد الرياضي حاملين معهم قصصهم الملهمة حول العالم. فقد لجأ عدد كبير من لاعبين كرة القدم السوريين إلى دوريات خارجية مختلفة، حيث مثلوا سوريا بشكل متميز ورفعوا من أسعار عقودهم الاحترافية بمبالغ مالية عالية، فلاعب نادي الكرامة السابق (جهاد الحسين) انتقل إلى الكويت عام 2012 ليلعب مع نادي القادسية الكويتي قبل أن ينتقل إلى نادي التعاون السعودي والذي يستمر باللعب له إلى اليوم.

كذلك فإن عمر السومة الذي انتقل عام 2012 ليلعب في نواد سعودية وكويتية، عاد مؤخراً ليمثل سوريا في المنتخب السوري لكرة القدم بعد ابتعاده عنه لفترة قاربت الخمس سنوات بسبب مواقفه السياسية.

بالإضافة إلى عديد اللاعبين السوريين الذين احترفوا في العراق والأردن والكويت والسعودية وقطر ومصر ولبنان وحتى الصين؛ حيث يعتبر الدوري الصيني من أغلى الدوريات العالمية ويمثل سوريا فيه قائد المنتخب السوري المدافع (أحمد الصالح).
 
اضطر رياضيون سوريون للخروج من سوريا والابتعاد عن الرياضة بشكل نهائي، مثل عدنان الحافظ الحارس السابق للمنتخب السوري لكرة القدم في كأس آسيا 2011 والذي خرج من مدينة حمص ولجأ إلى النمسا.  بينما شهدت رحلة خروج نجم السلة السورية السابق "رامي عيسى" من سوريا تغيراً كاملاً في حياته، حيث يقول "عيسى" في حديث خاص لراديو روزنة أن الاضطرابات السياسية قد أثرت على مسيرته الرياضية بعدما أعلن موقفاً معارضاً من النظام السوري؛ تلقى على إثره مضايقات عديدة خلال وجوده في سوريا منذ عام 2011 وحتى خروجه من سوريا إلى دولة قطر عام 2013.

ويشير "عيسى" في حديثه لروزنة أن سلطات النظام السوري أغلقت مدرسته الخاصة لتعليم كرة السلة والتي عمل على تأسيسها في سوريا منذ عام 2009 وتم استبعاده بشكل نهائي في عام 2011 من قبل الاتحاد الرياضي العام من المشاركة مع المنتخب السوري لكرة السلة والتواجد في أي نشاط أو فعالية رياضية.
وأضاف أن دراسته الجامعية في مجال التسويق ساعدته في شق طريقه نحو عالم ريادة الأعمال، وقال أن طموحه الشخصي الآن هو تأسيس شركته الخاصة؛ لذا فعليه أن يأخذ خطوات باتجاه تحقيق حلمه؛ ويضيف " عملت في أكثر من مشروع واستغليت في ذلك ثقافتي وخبرتي الأكاديمية من أجل هذا الأمر." ولكن حب عيسى للرياضة بقي موجوداً عبر تشكيله نادياً لكرة السلة للجالية السورية في قطر مع مجموعة من السوريين، وسيشارك هذا الفريق قريبا ضمن بطولة الجاليات في قطر.
 
يسرى مارديني الشابة السورية الصغيرة التي وصلت الجزر اليونانية سباحة أثناء رحلة هروبها من الحرب، ألهمت الملايين وانتشرت قصة حماسها حول العالم عبر عشرات التقارير التلفزيونية والمقابلات الصحفية، حيث استطاعت لاحقاً الوصول إلى ألمانيا لتحطم الرقم القياسي للسباحات السوريات في السباق المزدوج 400 متر والتأهل للمشاركة في الأولمبياد العالمي للسباحة بالبرازيل ضمن اللاجئين المشاركين في النهائيات، إلى جانب السباح السوري الشاب  رامي أنيس الذي كان قد لجأ إلى بلجيكا قبل ان يترشح لنهائيات أولمبياد السباحة في ريودي جانيرو عام 2016.
 
نافست الشابة بيان جمعة عشرات السباحين في الألعاب الاولمبية الصيفية عام 2012 ثم حصلت على ميدالية ذهبية وأخرى فضية في سباقي 50 و100 متر حرة في بطولة التشيك خلال آذار الماضي.

مجد الدين غزال الذي أحرز الميدالية البرونزية بالوثب العالي في فرنسا، وبرونزية العالم في لندن وجوائز عديدة حصدها حول العالم، فيما احترف الشاب عمار رمضان كرة القدم في نادي يوفنتوس الإيطالي، وحصل عمر خريبين ابن نادي الوحدة الدمشقي ولاعب نادي الهلال السعودي لقب أفضل لاعب في آسيا عام 2017.
 
وحصل عشرات الرياضيين السوريين الآخرين على ميداليات وجوائز مميزة مشاركين في تصفيات رياضية عالمية، ليرسموا خطوات الرياضة السورية اليوم، وليكونوا مثالاً يحتذى للعزيمة والإصرار على متابعة الحياة رغم صعوبتها.