"كلاوي" للبيع في شوارع دمشق

"لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.." تسمع تلك الرنة عند الاتصال به. حصلت على رقمه عند مروري فوق جسر شارع الثورة في العاصمة دمشق. شاب مستعد للتبرع بكليته، زمرة الدم B+.

هنا على هذا الجسر الذي يقع في مركز المدينة، ما يجعل منطقته أكثر الأماكن ازدحاماً، ترى يمنة وشمالا، على الحائط هنا وهناك، على عامود الكهرباء في تلك الزاوية التي تأخذ بك إلى سوق الحرامية، ترى ملصقات كثيرة كتب عليها: مريض بحاجة إلى كلية من زمرة دم كذا ويرجى أن يمتلك المتبرع تحليلا للأنسجة، ملصقات مهترئة أكل عليها وعلى صاحبها الدهر وشرب.

-" ألو.." صوت خشن قطع رنين الموبايل

-"مرحبا.."

-"أهلا"

-"رأيت إعلانك عن استعدادك للتبرع بالكلية".

- بصوت متلهف.." نعم نعم أنا مستعد للتبرع".

وهنا جاء صوتي لأخذله "أعتذر ولكن لم أتصل لأنني بحاجة إلى الكلية.. ولكن بصراحة شعرت بالفضول، فهذا قل ما نراه في شوارعنا ولكن يبدو أنه بات حقيقة!"

-"نعم.. هذا الإعلان حقيقة وأنا مستعد للتبرع بها مقابل مبلغ يتراوح بين المليون ونصف والمليونين ( ما يعادل 4000 دولار)، علّ هذا المبلغ يقيني من النوم في الشارع ويبعد أطفالي عن التشرد".

-"عم ما اسمك.. وأرجو أن تحدثني عنك؟.."

- "أنا م. النحاس من حمص.. هجرت منزلي بفعل الحرب ومنفصل عن زوجتي ولدي أربعة أولاد.. عاطل عن العمل وولدي الأكبر عمره 17 عاما ويعمل في مطعم للساندويش براتب لا بتجاوز 17 ألف (بما يقارب ال40 دولار)، لا يكفي آجار المنزل القابع في إحدى مناطق دمشق العشوائية.

-"عم ما رأيك أن نتواصل مع جمعية خيرية قادرة على مساعدتك للرجوع عن قرارك؟"

-"لا كليتي للبيع مهما كان الثمن.. لا أريد مساعدات وهمية.. والدين قد غمرني حتى رأسي.. أولادي صغار وأحتاج إلى لقمة عيش تسد رمقهم "اشتقنا لريحة الخبز"، ناهيك أن مالك البيت يريد مني مغادرته خلال أيام قليلة... ولكن ادع لي .. سأقابل أحدهم يريد شراء الكلية.. ادع لي بالتوفيق وأن يحالفني الحظ.. عله يحالف أولادي أيضا في هذه الحرب".

"انشاء الله عم.. انشاء الله.. تبيعا".

م. النحاس حاول من خلال إعلانه جذب عدد أكبر من الزبائن من خلاله تذييل الملصق بملاحظة: يوجد تحليل أنسجة.. ربما ذلك يوفر الوقت للمحتاج... ولكن من هو المحتاج هنا أكثر.. هل هو النحاس الذي يعيش في شقة مؤلفة من غرفتين، في حي عشوائي لا ماء فيه ولا كهرباء، والديون تعشّش في ذاكرة جيوبة، مع عدم قدرته على منح أطفاله أبسط حقوقهم في الحياة وفي التعليم، أم أن المحتاج هو ذلك الذي يبحث عن كلية ليعيش ويشتريها بمال كد في جمعه عبر ديون كدسها هو الآخر في ذاكرة جيوبه أيضا!

حلقة مؤلمة تكرر نفسها، يبيع كليته ليسدد دينه وآخر يستدين لشراء هذه الكلية، ليبحث كل واحد منهما على طريقه الخاصة للنجاة من.. لا شيء.. 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "روزنة".

*تم نشر هذا المقال بموجت اتفاق الشراكة بين "روزنة" و"هنا صوتك".

الكلمات المفتاحية: