حلُّ جبهة النصرة هو الحل

نُصِحَ الجولاني، لمرّاتٍ ومرّات، بفك الارتباط مع تنظيم القاعدة؛ ولكن هذا الجولاني يحتاج إلى غطاء جهادي في مواجهة تنظيم داعش، ويحتاج لاسم القاعدة لجذب الجهاديين الخبراء في الحرب وفي الدعوة والقيادة وأمور التنظيم لتأسيس إمارته، أي الأجانب، ويحتاج إلى الدعم المالي المقدم من التنظيم، والرجل يعلم أن أموره بخير ما دام الانقسام الدولي والإقليمي قائماً حول مستقبل الحكم في سوريا، ولن نُذكّر بمواقف المعارضة السوريّة الغبيّة تجاه شرعنة تنظيم القاعدة هذا، وبالتالي تصفية الجيش الحر!.

هذا المشهد بدأت تَدخلُه تغيرات في الأشهر الأخيرة، وهي ما فرضت انفكاك النصرة عن القاعدة، ولكن لنناقش الأمر بدقة؛ فهناك تقارب أمريكي روسي مُستجدّ وليس أقله التنسيق الأخير، ولم يعد مصير الأسد يُطرح قبل التفاوض على الحل السياسي، وكذلك اعتذر أردوغان من الروس بخصوص إسقاط الطائرة، وفتح علاقات قوية مع إسرائيل رغم أن غزة ما زالت تحت الحصار. في ظل هذا المشهد يَصعُب على الدولة التي كانت تحتضن النصرة كأحد أولادها المدللين أن تستمر بذلك، ويبدو أن شهر الفطام قد حان. تركيا وقطر الداعمتان الأساسيتان للنصرة لم تعودا قادرتين على ذلك، وأُسقطت كل الأسباب، ولإكمال الدفاع والتعويم لها دولياً وإقليمياً. لهذه الأسباب وكما قال الجولاني ذاته، أي لسد الذرائع أمام التنسيق الأمريكي الروسي نغيّر اسم الجبهة. غيّر الجولاني اسم جبهته إلى جبهة فتح الشام، وخفف من مقولات الجهاد العالمي وفك الارتباط بالقاعدة بما يجعل حركته أقرب إلى حركة أحرار الشام وجيش الإسلام السلفيتان وما يشبههما. ولكن هل هذا كافٍ لإبعاد خطر "الحرب على الإرهاب"، عنه؟

الدائرة تضيق على الجولاني، والوضع الداخلي لجبهته أيضاً إشكالي، فهناك الجهاديون الأجانب، وهناك من التحق بها بعد أن سَحقت هي الكثير من الفصائل أو بسبب فرضها سلطة كاملة على إدلب وأريافها، وهناك من أراد تأمين قوت يومه وهي لديها الكثير من المال والمؤن والضرائب والأتاوات، وهؤلاء ليسوا بقلةٍ. في ظل الميزان الداخلي هذا، ووجود أعداد كبيرة من السوريين وأغلبيتهم غير متشددين ويساهمون في خلق حاضنة لها ولا سيما في ريف إدلب، فإن الأمر يصبح إشكالية حقيقية؛ طبعاً النصرة تعرف جيداً أن التنسيق الأمريكي الروسي الجديد سيستهدفها لأول مرة بشكل حقيقي، وربما سيقصم ظهرها كلية، وبالتالي أمام تنظيم القاعدة مسؤولية كبيرة للحفاظ على فروعه! فهو بالكاد يُسمع عنها في أفغانستان وباكستان واليمن والعراق ودول أخرى، والظواهري الذي بدا سعيداً قبل عدة أشهر وهو يعلن  النفير لأهل الشام تجرع الكأس المر، إذاً، القاعدة ومنها النصرة أمام خيار غاية في الحساسية، فإن رفضوا الانصياع لأوامر تركيا وقطر بالانفكاك فسيتعرضون للسحق وسيحمّلونها أهالي المناطق الخارجة عن النظام مسؤولية ذلك، وإن انفكوا فهل سيُرفع اسم القاعدة من قوائم الإرهاب الدولي والحرب عليها، سيما أن النصرة ضمن المجموعات الجهادية المكتوب اسمها بالذهب في تلك القوائم.

تعلم النصرة أنها فتكت مع النظام بالكثير من فصائل الجيش الحر ولا سيما في إدلب، وأن أغلب تلك الفصائل من مصلحتها إنهاء وجود النصرة، مشكلة تلك الفصائل في خطوة الابتعاد عن النصرة تكمن في غياب برنامج دقيق للتنسيق الأمريكي الروسي عن كيفية مواجهة النصرة، وكذلك في غياب الحل السياسي الذي يكثر الحديث عنه كل عام ولكن دون جدوى؛ الفصائل هذه كما المعارضة أصبحتا بأسوأ المواقع، والضغوط لم تتوقف عليهما أبداً لجهة الشحة في الدعم المتعددة الأوجه، وذلك بغرض تطويعها وتدجينها واضطرارها لقبول أسوأ الحلول الممكنة.

الجولاني الآن كما البغدادي هما من يوحد الروس والأمريكان في "معركتهم ضد الإرهاب"، هذا يعني أن المعارضة معنيةٌ بموقفٍ حاسم ودقيق من الإرهاب ومن القوتين الجهاديتين، وهذا ما سيتعارض مع تركيا وقطر كونهما داعمتان للنصرة، ولكن لن تتقبل روسيا كما أمريكا أي تلاعب إزاء ذلك ولهذا كان الانفكاك. على الأرض هناك خوف كبير من سحق الفصائل المحلية بحجة الحرب على النصرة وداعش وكذلك هناك خوف من الانفكاك عن النصرة وأن يفشل التنسيق المذكور؛ هنا يوجد تحليل يؤكد أن هذه الفصائل لم يعد لها دور ذو معنى، وقيمتها أصبحت محض هراء، وهي ستخسر أمام قوات النظام وروسيا، وتشكل النصرة الفصيل الأقوى في مواجهة النظام وروسيا، ولا سيما في حلب وإدلب؛ هذا الكلام بعموميته سليم، ولكن ومهما كان الفشل ممكناً فإن خيار الروس مطروح لسحق النصرة كما بقية الفصائل، وهذا ما يجب أن يُقرأ جيداً من هذه الفصائل والمعارضة لتحدّد مواقفها بشكل حاسم، ضد النصرة ومع أي حل سياسي يُنهي الحرب ويُمكّن الناس من إدارة شؤونهم بأنفسهم؛ أن يقال حالياً أن سوريا بحالة حربٍ وطنية وضد الاحتلال الروسي والإيراني كما ورد في رسالة الائتلاف الوطني إلى القمة العربية فيه الكثير من الخطأ بالمعنى السياسي، وهذا لا يعني أن سوريا ليست تحت الاحتلال الروسي، الإيرانيون الآن أقدام للروس، ويعد موقف هيئة التفاوض العليا من انفكاك جبهة النصرة وأنها خطوة سليمة موقفاً غبياً، فالنصرة وجدت لتخريب الثورة وهي وظيفتها الأساسية، ويجب المطالبة بحلها، وليس الإشادة بها وكأن النصرة كانت تعيش مراهقة سياسية وأصبحت الآن راشدة وستصبح حركة وطنية؟!

النصرة لن تتخلى عن أشكال سيطرتها، وتغييرها للاسم وللراية لم يترافق بتغيير حقيقيٍّ في البنود الخمسة التي تلاها الجولاني. النصرة ولكي لا تخسر كل شيء تنحني للعاصفة، وربما هناك توافق مع القاعدة بخصوص ذلك! فهي غيّرت من بعض توجهاتها فأصبح الجهادي شامياً -أية مهزلة هذه- وربما سيساعدها التغيير في تضيّيق المعركة ضدها من دول التنسيق حيث ستتدخل تركيا وقطر وتوضح أنه لم يعد هناك شيء اسمه جبهة النصرة، النصرة تلعب بالسياسة جيداً، ولكنها تأخرت كثيراً هذه المرة وستُضرب ولو أجرت الكثير من التعديلات.

رأينا وجه الجولاني أخيراً، ولكن لا معنى لإنزاله اللثام عن وجهه، فما هو مطلوب منه حلّ جبهته، وإنهاء دويلته في إدلب وريفها وأن يُعيد للكتائب أسلحتها وأن يُفرج عن المعتقلين، وأن يعتذر عن كافة الممارسات في إدلب والتي تبدأ بالقتل ولا تنتهي بمحاكمه "الشرعية"؛ دون ذلك سيتعمق رفض السوريين لها، وسيكونون سعداء كثيراً بالخلاص منها ومن داعش ومن كافة أشكال التوحش الموغلة في دماء السوريين.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".

الكلمات المفتاحية: