طفل حلبي: لست مع النظام ولا المعارضة.. أنا مع الله

تغيب شمسُ مدينة "غازي عنتاب" التركية، وتنزل معها درجة الحرارة كاسرةً حاجز الصفر. لا فرق في حضرة البرد. معظم السكان يتفادون المشي في هذا الطقس، إلا الطفل محمد ابن مدينة حلب، الذي صادفته بجنب حديقة "الماسل بارك"، يبيع المحارم، يرتجف في مشيته، أنفه أحمر، بينما عيونه مليئة بالأمل لتحقيق واجبه اليومي على أكمل وجه!

تشغلُ مأساة حلب الحالية معظم السوريين، أهل أحيائها الشرقية أجبروا على هجرتها، بعد هجوم قوات النظام السوري وحلفائها منذ نحو ثلاثة أسابيع، وعقبَ حصار دام لأكثر من 150 يوماً، بينما محمد يستمر بعمله، فأولويته إعالة أخويه الصغيرين وأمه.

"نزحنا من حلب منذ سنتين، ووالدي توفي بقصف النظام"، يقول محمد ابن الـ12 عاماً، مذاك الوقت يعيش الطفل مع عائلته في بيت بأحد الأحياء الشعبية بغازي عنتاب، الحي قريب من قلعة المدينة، التي تشبه قلعة حلب لكنّها أصغر منها.

بدأت أمس الخميس، عمليات خروج أهالي مناطق حلب الشرقية، بعد اتفاق بين روسيا وتركيا وايران والنظام السوري، ضمنت موسكو تنفيذه. لكن محمد لا يلتفت لتلك التفاصيل السياسية وما يجري في مطابخ الدول التي تقرر مصير حلب وسوريا، فعند سؤاله حول عودته لمدينته، يجيب بلكنته الحلبية:" مين ما بدو ياخد حلب، بس المهم نرجع على بلدنا".

ويضيف الطفل:" المهم تنتصر حلب، وتهدى الحرب"، لكن، حتى اللحظة، هل انتصرت حلب؟ المدينة الأكبر في الشمال السوري، خسرت قسماً كبيراً من أهلها ربما بغير رجعة، وتدمّر أكثر من نصف أحيائها، بعد آلاف البراميل المتفجرة على مناطق رماها طيران النظام على مناطق المعارضة فيها، والاشتباكات بين طرفي الصراع الرئيسيين في سوريا، النظام ومعارضته، أخضعها الأول لسيطرته، فيما يبدو أن كل معارض من أبناء المدينة ليس له مكاناً فيه.

بحسب تقرير لمنظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة، في آذار الماضي، فإن بين أربعة وثمانية ملايين طفل سوري تأثروا بالنزاع، نسبة تشكل 80% من أطفال هذا البلد، سواء من بقوا داخله أو لجؤوا إلى الدول المجاورة "الأردن، لبنان، العراق وتركيا"، وتؤكد المنظمة أن نحو مليوني طفل سوري لاجئ بحاجة إلى دعم وعلاج نفسي، بسبب ما شاهدوه، وما يعيشونه.

محمد من أطفال سوريا الذين تأثروا بشكلٍ كبير، فمنذ ترك مدينته حلب ولجأ إلى تركيا، يعمل ساعات طويلة ليعيل أهله، يخرج من المنزل بحدود الساعة الـ2 أو الـ3 عصراً، يبيع المحارم، ويعود إلى بيته ليلاً عند الساعة الـ8 أو الـ9 مساءً.

بدل أن يستخدم محمد مهاراته بعلم الرياضيات في المدرسة، يستخدمها في حياته اليومية، يحسب ميزانيته جيداً، يؤكد الطفل أن مدخوله اليومي من بيع المحارم يتراوح بين الـ40 والـ50 ليرةً تركيةً "14 دولاراً تقريباً"، يدخر منها كل يوم 15 ليرةً "4 دولارات"، ليوفر أجار المنزل المقدر بـ450 ليرة، نحو "128 دولاراً".

ينشط الطفل في مناطق "غازي مختار باشا" وسط "غازي عنتاب" جنوبي تركيا، التي يعيش فيها أكثر من 300 ألف سوري، ونحو 850 ألف تركي. وكانت خلال الاحتلال العثماني لسوريا، تابعة لولاية حلب، وتشبه عاصمة الشمال السوري بالكثير من التفاصيل، لا سيما قلعتها وحاراتها القديمة.

ويمكن أن تراه قرب مجمع "السانكو بارك" التجاري الشهير بالمدينة، ويصل إلى حديقة "الماسل بارك"، وأماكن أخرى، لا تغيب عنه حلب، ولا أمه أو أخواه، وخلال حديثنا سألته، من تؤيد؟ النظام أم المعارضة؟ أجاب وهو مستعجلاً يريد إنهاء اللقاء الصحفي وإكمال عمله:" أنا مو مع حدا.. أنا مع الله".

يمكنكم الاستماع للبث المباشر عبر الضغط (هنا)

الكلمات المفتاحية: