الرجل الذي أنقذ 200 لاجئ سوري!

عندما قرر "جيم إستيل" دعم 500 لاجئ، لم يتحدث عن الأمر في بادئ الأمر حتى لزوجته، محاسبه، أو أصدقائه، كان ذلك في صيف 2015 حيث كان عدد القتلى في سوريا قد وصل إلى ربع مليون نسمة، في حين هرب أربعة ملايين خارج البلاد، وذلك بحسب تقرير نشر على موقع "Toronto Life".

خلال صيف طويل، كانت تتردد الأخبار والتقارير المروعة عن لاجئين غرقوا في البحر الأبيض المتوسط، وعن تخفيض برامج المساعدات الإنسانية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وعندما كان إستيل يتابع الأخبار آنذاك، كان يقول لنفسه: "لا أريد أن أبلغ الثمانين وأعرف أنني لم أقم بفعل أي شيء تجاه أزمة إنسانية كهذه التي تحدث في سوريا."

كان إستيل منزعجاً من موجة الكراهية القائمة ضد الأجانب في عهد إدارة "هربر"، فأراد أن يثبت كيف يمكن للاجئ أن يثري المجتمع أيضاً كما يفعل السكان الأصليين، وكان لديه مثال واضح على هذا الأمر، فأحد أفضل أصدقائه "فرانز هاسينغراتز" كان لاجئاً مهاجراً من المجر الشيوعية، أنشأ شركة لينامار في كندا، وهي شركة مصنعة لقطع غيار السيارات، وتوظف ما يقارب 100 ألف موظف.
 أجرى إستيل بعض العمليات الحسابية، تفقد بعض المواقع لمعرفة أجارات الشقق في مدينة جولف في كندا، وبحث عن تكاليف تعليم الأطفال في أونتاريو، ووضع ميزانية الغذاء الشهرية، حيث قدر أن مبلغ 30 ألف دولار سيكون كافياً لدعم عائلة مكونة من 5 أشخاص لسنة واحدة، ثم ضرب الرقم بـ 50 ليحصل على التكلفة الكلية لدعم 50 لاجئ، ويقدر بـ 1.5 مليون دولار، وهو مبلغ يسهل على إستيل تقديمه.

إستيل هو المدير التنفيذي لشركة "دانبي"، وهي شركة لبيع الأجهزة الالكترونية تبلغ مبيعاتها 400 مليون دولار سنوياً، وكان قد بدأ طريقه ببيع أجهزة الكمبيوتر المستعملة باستخدام صندوق سيارته في أواخر السبعينات.

في النهاية أصبح المدير التنفيذي لشركة "سنكس" في كندا، وهي شركة معلومات تكنولوجية، تبلغ مبيعاتها أكثر من 2 مليار دولار سنوياً.

عمره "59" عاماً، ويبدو مظهره كشرطي أكثر من كونه مديراً تنفيذياً، بشاربه الرمادي الناعم وشعره الأشعث وابتسامته الغامزة، وبدلاً من ارتداء البزة الرسمية، يفضل ارتداء قمصاناً منقوشة بقبة بيضاء مفتوحة مع حذاء عملي. يعيش مع زوجته "إليزابيث"، المحامية المتقاعدة، في منزل من الطوب الرمادي الفيكتوري يفصله عن الطريق جدار سميك من الأشجار، أما أولاده الأربعة فقد انتقلوا للعيش خارج المنزل منذ سنوات.

يقود سيارة من طراز "بريوس"، لا يملك تلفازاً، ويقضي أوقات فراغه في قراءة كتب التسويق عبر مدونته، يعمل 12 ساعة يومياً. خارج أوقات العمل، شغفه الرئيسي هو العمل في حديقته، وعندما نتناول الغداء سوياً، يقدم لي السلطة من منتجات حديقته، من طماطم، فاصولياء، وشمندر، مع سمك السلمون الذي يقوم باصطياده بنفسه أيضاً خلال رحلة الصيد.

ينظم إستيل حياته بقوانين يسميها "عادات النجاح"، بعضها خاص جداً، كأن يقضي 20 دقيقة يومياً في الخارج مهما كانت حالة الطقس، ولديه "عرزال" يختلي إليه للتفكير ولاتخاذ القرارات الصائبة، وهو عبارة عن كرسي حجري بجانب الموقد في القبو، وكانت إحدى هذه القرارات دعم اللاجئين السوريين.

بعد عيد العمال، دعا إستيل عدد كبير من المنظمات بما في ذلك المحلية الدينية، ثلاث كنائس ومسجد ومعبد هندوسي، ومنظمات إغاثية، حيث جلس قادة منظمات المجتمع المدني في مجلس إدارة شركة "دانبي"، وقام إستيل بتقديم عرض "باور بوينت" عن اللاجئين بعنوان: "الشيء الصحيح الذي يجب فعله". محمد السيد، أحد المشاركين، وهو رئيس جمعية المجتمع المسلم في مدينة جولف، استغرب كثيراً أن عدداً لا بأس به من الجماعات الدينية مشاركاين بالحدث مع أن اللاجئين من المسلمين.

بعد ساعة من الاجتماع، تم إطلاق المشروع، وكان دور جمعية المجتمع المسلم فيه، إنشاء البنية التحتية للمشروع، التعامل مع الأوراق، وقيادة المتطوعين، ويحافظ إستيل على المشروع من خلال التبرعات الشهرية ويقوم باختيار اللاجئين الذين سيتم دعمهم، وكل ذلك بالشراكة مع المؤسسة الإسلامية في تورنتو.

في 24 تشرين الثاني انتشر المشروع على موقع "جولف" وتمت ترجمته إلى اللغة العربية وتعميمه في الشرق الأوسط، ليصل إلى أولئك اللاجئين في كل من الأردن ولبنان وتركيا، الذين بدأوا فجأة يرون وجه إستيل على صفحاتهم الرئيسية في وسائل التواصل الاجتماعية، مع وعود بحياة مستقرة وفرص عمل، وبعد ذلك بدأوا بمراسلته عن طريق البريد الالكتروني، راجين منه أن يستقدمهم هم وعائلاتهم إلى كندا.

يقول إستيل: "في البداية تلقيت بضع رسائل، كأحدهم يقول اسمحوا لي أن أقدم نفسي، لقد خسرت كل شيء وأريد العمل." وبعد ذلك بدأت الرسائل تتدفق بالمئات بل بالآلاف، كرسالة تقول: "سيد إستيل، نحن عائلة سورية لاجئة في الأردن، نريدك أن تساعدنا بالوصول إلى كندا، قتل النظام السوري اثنان من أبناء عمومتنا، لدينا أخ مفقود واثنين معتقلين لدى النظام السوري، أرجوك ساعدنا."

يعد إستيل نماذج لبرامج دعم، ويطمح بتعليم رجال الأعمال والأثرياء في كندا كيفية تشغيل المتطوعين واستخدام شبكاتهم المحترفة لتوظيف اللاجئين السوريين، يقول: "إذا كنت تستطيع تشغيل 800 موظف في شركة، فهذا يعني أنك تستطيع تشغيل 800 متطوع في منظمة." إستيل لديه برنامج واضح، ويقول حول ذلك: "50 عائلة تعمل، تدفع الضرائب، يشترون بقالتهم بأنفسهم ويتحدثون الإنكليزية، نحن لن نشجعهم على الاعتماد علينا، ولن نقوم فقط بتسليمهم الشيكات".

خلال شهر، توافد أكثر من 800 شخص للمساعدة في المشروع، كانوا أطباء، مهندسين، مدرسين، مديري مستودعات، وعمال بناء، والكثير من الفيتناميين الذين كانوا قد وصلوا كلاجئين على متن قوارب سابقاً في السبعينات والثمانينات، والذين أرادوا أن يردوا المعروف الذي نالوه سابقا كلاجئين.

جايا جيمس، امرأة مسيحية، مثال عن المتطوعين النشيطين، حيث أخذت إجازة من عملها لمدة ستة أشهر لتساعد في المشروع.

عمل الكثير من المتطوعين في الكواليس، بترتيب البضائع، فرز التبرعات، وتأمين أماكن الإقامة، بينما اختار آخرون أن يعملوا بشكل مباشر مع اللاجئين حين وصولهم.

قسم إستيل المتطوعين إلى ثمانية فرق، لكل فريق مدير ومساعد مدير، وكل فريق مختص بفرع من احتياجات الحياة للاجئين على الشكل التالي:

 مدير النصائح: يقدم النصائح للمتطوعين الراغبين بالعمل مع اللاجئين بشكل مباشر.

مدير اقتصادي: يدير الميزانية لكل فريق ويسلمهم الشيكات الشهرية، والتي تتراوح بين 1100$ إلى 1500$، بحسب عدد أفراد العائلة.

الفرق الأخرى تتعامل مع التعليم، الصحة، الطعام، العمل، التنقل، والسكن.

الشريك الأكثر نشاطاً وفعالية لإستيل كان السيد "محمد سيد" وزوجته سارة، حيث بدأت سارة كمديرة نصائح، ولكن مع مرور الوقت تمت ترقيتها لتصبح مسؤولة عن العملية برمتها، حيث بات لقبها مديرة المدراء، أما زوجها محمد الذي كان مستشار هجرة سابقاً، فقد كانت مهمته تجهيز أوراق العمل للاجئين قبل وصولهم، ومساعدتهم في إيجاد عمل والاستقرار.

إحدى أكبر التحديات التي واجهت إستيل، كانت إيجاد أماكن لإقامة اللاجئين، حيث وجدوا معظم المساكن في أبنية الحرم الجامعي، وهي مباني شاهقة مخصصة لذوي الدخل المنخفض، ولكنها لم تكن كافية لاستيعاب أعداد اللاجئين.

عرض إستيل تقديم تمويل لبناء وتطوير مساكن جديدة، وبالفعل، في آذار تم ترميم ثماني وحدات سكنية للأسر اللاجئة، ويقوم إستيل حالياً على ترميم أبنية أخرى في المدينة.

وبينما كان إستيل يقوم بتنفيذ المشاريع السكنية، كان شركائه يتلقون التبرعات العينية بكميات كبيرة، ولم يكونوا يعلموا كيف سيتصرفون بها، فقام إستيل باستئجار مخازن لوضع كل هذا الأثاث، الأطباق، مقاعد السيارات، والملابس وغيرها.

اختيار أول 100 لاجئ كان الأسهل، حيث تم استقدام عائلات الأشخاص المقيمين في كندا، أما خياراته من خارج كندا فكانت قائمة على العائلات التي تملك فرداً واحداً على الأقل قادرا على العمل وجني المال، حيث كان مضطراً إلى إقصاء طلبات كبار السن والعازبين، قال لي بصوت مرتجف: "كان علي أن ألعب دور الإله، أختار هذا وأقصي ذاك".

يمكنكم الاستماع للبث المباشر عبر الضغط (هنا)

الكلمات المفتاحية: