نظرية المؤامرة (2) - لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

اتّهم الكثير من الصحفيين المعارضين العميد المنشق عن نظام الاسد "مصطفى الشيخ" بالخيانة والتآمر بعد زيارته لموسكو وتصريحاته الصحفية التي رحب فيها بالدور الروسي في المنطقة، نافياً ان يكون الوجود الروسي في سوريا احتلالاً: "فهي كدولة عظمى لا تحتاج سوريا كي تحتلها، والمسؤول عما يحصل في سوريا هم فصائل المعارضة -عديمة الفهم-"!!.

على الرغم مما تثيره تصريحات العميد من تساؤلات، إلا ان التشكيك بحقيقة انشقاقه عام 2011، واتهامه بالتنسيق مع النظام والانضمام للمعارضة لأجل زرع الفتنة والخلاف، وحملات وشمه بالتآمر على الثورة دون قرائن وادلة، تطرح مثالاً آخر  لـ "نظرية المؤامرة".

يبدو استخدام الانظمة الاستبدادية لنظرية المؤامرة مفهوماً، كما ذكرت في الجزء الاول من هذه المقالة، ولكن لماذا يستخدم الشعب ايضاً هذه النظرية؟!.

وفقاً للأديب "علاء الاسواني" فإن الشعب يحتاج ايضاً لنظرية المؤامرة، لأنها تغطي إحساسه بالعجز. حصل هذا حين تأخر نصر توقّعه الشعب السوري سهلاً بعد ثورة /2011/ فكان امام احتمالين: الاعتراف بالعجز، او إلقاء المسؤولية على الآخر، بالطبع اختار الشعب نظرية "لن يتركونا"، و "نحن امام مؤامرة كونية" (يلفتك هنا تشابه هذه الدعاوى مع دعاوى النظام!!).

يبدو تبرير "الاسواني" منطقياً، ولكن ليس لتفسير حادثة العميد "مصطفى الشيخ"، ولا لتفسير ما يفعله بعض الاعلاميين الذين اصبحوا اختصاصيين بالتخوين..

يكفي ان يدلي معارض ما بتصريح لا يروق لاختصاصي تخوين، او لمنبره الاعلامي، حتى تصدر الفتوى بالتخوين والتآمر على الثورة، ثم يتجاوز الامر مجرد مقال تخويني، ليصبح للتخوين كوادر فنية وممثلين ودراما ساخرة وغرافيك، وكأن المطلوب خطاب واحد وموقف واحد ورؤية واحدة، تذكرك بمقولة الستينات " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وما جرّته علينا من كوارث...

يحق للصحفي ان ينتقد موقف او رأي او تصرف اي معارض بالطبع،. وهذا ما فعله كثيرون (انا منهم) عندما التقى معارض سوري احد الوفود بتوقيت وظروف لم يجدوها مناسبة. اما ان ينتقل الانتقاد لتخوين رجل يمتلك ملفاً من انصع الملفات السورية واكثرها نبلاً وشجاعة في انتقاد الظلم منذ عشرات السنوات، فإن هذا يبدو استخداماً استراتيجياً يهدف لحرق قامات وطنية مشرّفة لمصلحة رفع قامات اخرى.

الآفة في هذا السلوك هي انه يحاول ان يحشر الجميع ضمن طريق ضيق، هو طريق الحلول الصفرية، كما انه يفقدنا فرصة الحوار وتطوير الرؤى والمواقف، لان التخوين وجلد الرجال عوض نقد مواقفهم، يجعلهم يتخندقون ومعهم مريديهم، ما يزيد الفرقة والصّمم..

تتصف نظرية المؤامرة -وفقاً للدراسات- بطابعٍ وبائي، ينتشر على جميع المستويات دون تمييز، ما عليك سوى الدخول لحساب احد صحفيي التخوين، لتعاين مقدار التجاوب وآلاف اشارات الاعجاب، بل إن "التفسيرات التآمرية" اصبحت تكتسب طابعاً شعبياً تصعب مقاومته:

كتب احد الزملاء مقالة ينتقد فيها احد السياسيين الذين يحترمهم، ورغم حرصه الشديد واختياره للكلمات، الا ان ذلك السياسي تلقى نقده بمحاولة البحث في ملفه وفكره واصوله ، علّه يكتشف انه خائن ويرتاح!!. "ذلك لم يفاجئني"، اخبرني زميلي، واضاف: "ما ادهشني هو واحد ممن قرأوا المقال، ثم اجتمع بي ليناقشني به، فاخبرني عن قصدي من كل فقرة!، وشرح لي خبثي واستراتيجيتي الماكرة من وراء المقال!!، ولم تنجح جميع محاولاتي لإقناعه بأنه مخطئ وبأنني لم اقصد إلا ما كتبت، بل زادته اصراراً وضحكاً وغمزاً وكأنه يقول (لن تستطيع ان تخدعني)!!!، لدرجة ان الحوار انتهى باستسلامي، وبهجة محاوري بنجاحه كمحلل وقارئ لما بين السطور!!!!"... خطورة قصة ذلك الزميل هو دلالتها على ان طول تعرضنا للاستبداد جعلت نظرية المؤامرة اقرب الى ثقافة شعبية عامة، تؤشر الى ارتداد عنيف، ليس فقط عما يُفترض انه قيم الحداثة، ولكن عن مجرد الاسس الاولية للتفكير بشكله العام او المتخصص... 

إن التأمل البسيط فيما قاله العميد "مصطفى الشيخ" يثبت انه لا يمكن ان يكون عميلاً متآمراً، فلو كان كذلك لما سمح له الروس ولا النظام السوري بذلك المؤتمر الصحفي السخيف، ولما "دفشوه" لمثل تلك المهزلة التي حرقت اوراقه.

إبراهيم سارة