أطفال سوريا الصندوق الأسود للصراع

روزنة 

  • الحسكة

بعد هروبها من منزل عائلتها الذي دمرته قذيفة من جيش النظام السوري، تفاجأت الطفلة ماريا، بأنقاض مدرستها، التي تعلّمت فيها، أولى خطوات الكتابة والقراءة.

نزحت من مدينة دير الزور إلى القامشلي، لكنّ صور الدمار في منطقتها، لم تفارق ذاكرتها. 

تتحدث ابنة العشرة سنوات لروزنة، ودموعها على وجهها:" منظر مدرستي، مدرسة يوسف العظمة لا يفارق مخيلتي، أشتاق لزملائي ومقاعد مدرستي الخشبية، ولكن قذائف الجيش السوري كانت أسبق مني إلى مدرستي".

لم تستطع ماريا إكمال حديثها، فالبكاء أخفى صوتها، لتكمل أمها الحديث عمّا جرى معهم:" من هول ما شاهدناه ذلك اليوم، دخل عمي في حالة كآبة لم يشفَ منها حتى الآن، رغم مرور سنتين على تلك الحادثة، فكيف سأصف حال ابنتي ماريا؟!".

     

الدراسة من الكماليات 

دفعت الحرب الأطفال السوريين إلى تجاوز مرحلة الطفولة، فتغيرت مفاهيمهم وباتوا يتكلمون بلغة الكبار، وأصبحت أفكارهم مليئة بالعنف والحرب، ما يؤثر عليهم، وعلى تحصيلهم العلمي، إذا تمكنوا من متابعة الدراسة.

العديد من الأطفال الذين نزحوا من مناطقهم، لم تتح لهم فرصة إكمال دراستهم، بسبب ظروف عائلاتهم، والبعض اضطر للعمل كي يعيل أسرته.

كانت“المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين”، قد أعلنت في شهر نيسان المنصرم، أن عدد اللاجئين السوريين تخطى المليون، حوالي أربعمئة ألف منهم أطفال في سن الدراسة، ونحو ثلاثة أرباعهم، لا تتاح لهم فرصة متابعة التعليم.

     

الأطفال ضحايا الحروب

إذا كانت الأوضاع في سوريا، تركت آثاراً على الكبار بشكل عام، فإن أثرها على صغار السن مضاعف، لأن تكوينهم المعرفي والوجداني لم ينضج بعد، ففي آذار الماضي، أكدت منظمة اليونيسف، أن معظم الأطفال السوريين، يعيشون في حالة مستقرة، من المعاناة والألم، ما ينذر بخطورة كبيرة. 

يقول الأخصائي النفسي محمد علي عثمان، إن الأطفال أكثر المتضررين في الأزمات، حيث يخزنون الأحداث التي عاشوها، كخبرات، مع الأخذ بالحسبان، محدودية الخبرة والمعرفة عندهم.

ويضيف عثمان، أن هذه الأضرار، إذا لم تعالج في مراحل مبكرة، فستظهر آثارها لاحقاً بثلاث نواحٍ، الأولى سلوكية، تتمثل بالعدوان، ومص الاصبع، والتبول اللا إرادي، والثانية انفعالية، تظهر بالاكتئاب والخوف والحزن، أما الثالثة، فهي عقلية ومعرفية، تتوضح بعدم التركيز، والشرود والتشتت والنسيان، وهذه كلها بحسب الأخصائي، تؤدي إلى ضعف التحصيل الدراسي.

لذلك، يجب تقديم الدعم النفسي للأطفال، بأنشطة متعددة كنوع من التفريغ عن المشاعر السلبية، يتحدث عثمان، مشيراً إلى أن هذه الاضطرابات، إذا لم تعالج، فقد تتحول لأمراضٍ نفسية، في مراحل متقدمة. 

     

منظمات مدنية تفرّغ عن الأطفال 

وسط غياب دور رعاية لإيواء الأطفال النازحين، وتقديم الدعم النفسي لهم، قامت العديد من منظمات المجتمع المدني في القامشلي، بمحاولة للتخفيف عنهم، وتنظيم أنشطة ترفيهية لهم، سواء الوافدين إلى المدينة، أو المقيمين فيها، كفريق الدعم النفسي التابع لجمعية شاوشكا للمرأة، وهي جمعية مستقلة. 

تتحدث جيهان، أحد أعضاء فريق آهين للدعم النفسي، التابع للجمعية أن " الفريق المؤلف من حوالي 12 متطوعة، قام بتقديم الدعم النفسي لأكثر من ألف طفل، عن طريق الأنشطة الترفيهية، والتي بلغت 37 نشاطاً، وفي مقدمتها نشاط الحكواتي، إضافة الى المسرحيات التفاعلية والحفلات الموسيقية".

 جمعية هيلين لرعاية الطفولة، نظمت أيضاً أنشطة ترفيهية، كمحاولة لتهيئة فسحة من التفريغ لهؤلاء الأطفال.

وحول هذا، يشرح عبد السلام، وهو عضو في الجمعية:" قمنا بأنشطة ترفيهية للأطفال لعلنا نسهم بتخفيف الألم عنهم، وتصحيح بعض الأفكار التي انغرست في عقول الأطفال خلال هذه الحرب، فقامت الجمعية بأنشطة خارجية، كاللعب وإجراء المسابقات في الحدائق العامة".

        

أحلام طفولية لنهاية الحرب

أغلب الأطفال السوريين النازحين إلى القامشلي، وجدوا صعوبة في التأقلم مع الواقع الجديد، فحاول كل بطريقته الخاصة، أن يرسم حلماً لنهاية الحرب، عله يتحقق في المستقبل.

بعد أن مسحت ماريا دموعها، قالت:" فسحة الأمل الوحيدة لي، كانت عندما كنت أتحدث في المدرسة مع صديقاتي الوافدات من مناطق أخرى، فنتحدث عن ذكريات مديتنا وأماكنها الجميلة".

أما مجيد من دير الزور، فرسم حلمه برسالة، علها تجد أذناً صاغية، وتمنى أن تتحرر مدينته، وتأتي الكهرباء فيها.

هكذا أصبح حال أطفال سوريا، كل ما بقي لديهم من ذكريات طفولتهم، هو صور الدمار، ومقاعد خذلت طلابها بسبب الحرب، وصارت في كثير من الأحيان مقبرة لهم.