عين العرب "كوباني" إذ تعكس هزائمنا كرداً وعرباً

روزنة 

  • حلب

بعيداً عن الصراع العسكري والإقليمي الدائر حول عين العرب "كوباني" اليوم، تعكس المدينة وهي تقاوم تتار العصر الحديث حدّة الهزيمة والأمراض التي تعانيها النخب والأحزاب والجماهير والثقافة المكوِّنة لكليهما ( كرداً وعرباً).

على الجانب الكردي، عكست مسألة كوباني أمرين اثنين: 

أولهما: وجود الكثير من الآليات المنتجة للاستبداد في المكوّنين الاجتماعي والسياسي الكردي، وهو ما يعكسه تحوّل الخطاب الكردي بين ليلة وضحاها إلى "صوت واحد" خلف حزب الاتحاد الديمقراطي بحجة أنه يحارب "داعش" وحامي القومية الكردية، بعيداً عن أيّة رؤية نقدية ( إلا ما ندر) تناقش دور الحزب في إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه، فإذا كان واقع الحرب اليوم يقتضي القتال في خندق واحد ( وهو يقتضيه حقاً لأن الدفاع عن الأبرياء واجب الجميع)، فيجب أن لا ننسى أن ما يحصل اليوم هو نتاج سياسة الحزب الخاطئة، وربّما منذ تشكّل حزب العمال الكردستاني الذي قبل أن يكون أداة الاستبداد السورية ضد أنقرة، حيث استغل النظام المطامح القومية الكردية العادلة ليوجهها ضد أنقرة، وحين انتهى الدور لُفظ الحزب الذي عاد وكرر نفس السياسة، لنكون أمام خطأ مميت تدفع كوباني ثمنه اليوم، إذ كان واضحاً منذ اللحظة الأولى لاندراج "الاتحاد الديمقراطي" سياسيا في المحور "الممانع"، أن الأمور لن تسير بخير لا للعرب ولا للكرد، وهو ما عززته سياسة الحزب على الأرض في وجه الأكراد أولاً، حين أقصى المجلس الوطني الكردي عن دائرة الفعل على الأرض، وفي وجه المكونات الاجتماعية الأخرى،  حين أعلن "الإدارة الذاتية" من جانب واحد، دون توافر مقومات سياسية وإقليمية تسمح بذلك، ليوّفر بذلك الفراغات التي تسلّلت داعش من خلالها في المنطقة، لأنه اعتمد منطق القوة لا غير، مما أحدث شرخاً بين الأكراد أولاً، وبين العرب والأكراد ثانياً، مضيّعاً بذلك الحاضنة الوطنية التي كان يمكن أن تقف بجانبه اليوم، وهو ما يبدو أنه يتداركه الآن على مضض،  من خلال الاتفاق مع القوى الكردية الأخرى.

الأخطر هنا ليست سياسة الحزب، بل ذلك التغاضي الكردي العريض عن أخطائه لأنه يحارب نيابة عنهم، وهو منطق كل الشموليات والتوتاليتاريات التي تعتمد الحروب أداةً لصنع "الأسطورة" واستعادة الشعبية، فهل يوّفر الأكراد لهذا الحزب ذي البنية الشمولية ما يريد كمقدمة لإلغائهم لاحقاً؟ أم يعملوا على تفكيك الآليات المنتجة للاستبداد؟.

ثانيهما: مدى ضياع الأكراد بين الوطنية السورية والقومية الكردية، وهو ما نتبيّنه من ردود الأفعال على اقتراب داعش من المناطق الكردية، إذا قورنت بردودهم على دخول داعش مناطق أخرى، مع ظهور أصوات تسأل عن هذا الصمت العربي أو صوته الخجول متناسيةً أن رد فعلها على دخول داعش الرقة مثلاً،  لم يكن كما هو اليوم.

 وهو أمر مفهوم منطقياً، فحين يتعرض مسقط رأس المرء لاعتداء حيث أهله وأقاربه تكون ردة فعله أقوى لأنها تلامس حيوات عرفها وعايشها عن كثب، إلا أن الغير مفهوم هو وضع القومية الكردية بمواجهة الوطنية السورية أو العربية لدى البعض، أو التخبط الهائل بينهما، وهو تداخل قد يدمر الكرد مستقبلاً قبل غيرهم، حيث التطلع نحو الخارج ( الأمة الكردية) ينسف فكرة الدولة الوطنية السورية برمتها، إن لم يكن الأمر وفق جدول سياسي واقعي، لنكون أمام تكرار سمج للمسار العربي حين أعلى من شأن الأمة على حساب الدولة، علماً أن الأمر في الحالة الكردية أعقد، حيث الأمة الكردية موزّعة بين دول قائمة ذات تاريخ في المنطقة، بما يعني أن قيام الدولة الكردية يستلزم تفكيك الدول الوطنية تلك، وهو أمر سيؤدي أي خطأ في مقاربته السياسية إلى تدمير الكرد قبل غيرهم، وما ارتكبه حزب الاتحاد الديمقراطي يعادل تلك الخطيئة المميتة سياسياً.

هنا يعكس الأمر قصور النخب والأحزاب السياسية الكردية التي لم تتمكن طيلة عقود من إيجاد حل منطقي أو وضع نظرية سياسية على الأقل لهذا المشكل القائم بين الوطنية في دول يكون فيها الأكراد مواطنين إلى جانب غيرهم من الأثنيات القومية،  حيث الأمة دون دولة، فيبقى الولاء مشتتاً بين التطلع نحو أمة دون دولة، ووطنية لا يتم احترام حدود دولتها، الأمر الذي يثير مشاكل كثيرة الآن ومستقبلاً. ولعل دخول أكراد غير سوريين للقتال إلى جانب كوباني، هو المنطق المقلوب لدخول الشيعة العرب إلى جانب النظام، والمقاتلين العرب والأجانب إلى جانب داعش والنصرة، فالمنطق واحد: القومية والدين والإثنية أعلى من الدولة! وهنا الكارثة للجميع.

على الجانب العربي، يعكس التعامل البارد والباهت مع أزمة كوباني ضعف وترّهل الوطنية السورية برمتها خاصة لجهة التعامل مع الأقليات ( إثنية أم دينية)، وتغلّب صوت الخارج في المكوّنات السياسية والعسكرية السورية على الوطنية السورية المنعدمة لدى هؤلاء، حيث سياسة الكيد هي السائدة،  حين لم يجر التفريق بين ضرورة الوقوف إلى جانب الكرد كجزء أصيل من الشعب السوري وبين "الانتقام" من الحزب المذكور، وكأن هؤلاء الأكراد ليسوا مواطنين سوريين، لتضيّع النخبة السياسية السورية مرة أخرى فرصة أن يشعر الأكراد في العمق أنهم ينتمون لهذا الوطن. 

ولهذا نحن اليوم نخسر عرباً وكرداً. بل كيف لا نخسر ونحن نجيّر وطنيتنا السورية لصالح التركي والخليجي ( الفصائل المعارضة) أو الإيراني ( النظام وحزب العمال)؟

--------------------------------------- 

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات روزنة 

 

الكلمات المفتاحية: