"نازحو لبنان" بين أنياب طوائفه

يستعيد اللبنانيون صراعاتهم ونزاعاتهم الطائفية والأهلية عند كل عارض يدخل على مشهد التركيبة السياسية في البلاد. فور اندلاع الثورة السورية والقمع الذي تعرضت له، بات لبنان وجهة للنازحين السوريين بسبب قربه الجغرافي. لكن سرعان ما دخل هؤلاء النازحون كعنصر في الصراع الداخلي المنقسم أساساً بين قوى 14 آذار المقربة من السعودية والغرب و قوى 8 آذار المقربة من إيران. واستناداً إلى هذا الانقسام تأسس انقسام آخر حيال الثورة السورية، فأييد المعسكر الأول مطالب الشعب السوري، فيما اعتبرها الثاني مؤامرة لإسقاط النظام (الممانع).

هكذا، حُسمت الهوية السياسية للنازحين السوريين بوصفهم معارضين للنظام، لتتبدى حاضنتهم الشعبية في مناطق محسوبة على تيار المستقبل الذي ينتمي معظم مناصريه إلى الطائفة السنية. التماهي الطائفي بين النازحين وهم في غالبيتهم سنة، وبين حاضنتهم المجتمعية تركت لدى بقية الطوائف هواجس من تحول ديموغرافي بشري يؤدي إلى غلبة طرف على حساب طرف آخر، لا سيما وأن أعداد النازحين قد تجاوزت المليون شخص.

حزب الله الذي يمثل الطائفة الشيعية داخل المعادلة اللبنانية، كان المعني أولاً بهذه الهواجس فوجود النازحين سيمنح خصومه مساحة للتلاعب بالتوازنات الداخلية عبر استثمارهم في حركات معادية له كما حصل مع حركة أحمد الأسير في صيدا، حيث تبين وجود عدد من السوريين بين مناصري الشيخ السلفي. الملفت أن مخاوف الحزب هذه لم تخرج إلى العلن، بقيت طي الكتمان. إذ تكفل حليفه الجنرال ميشيل عون التعبير عنها بطريقة فجة تحمل الكثير من العنصرية.

استعادت الميديا العونية المسيحية أدبيات الحرب الأهلية فبات النازحون السوريون معادلاً تاريخيا للآجئيين الفلسطينيين الذين توافدوا إلى لبنان ونقلوا معهم تجربة الكفاح المسلح، ما جعلهم طرفا في الحرب الأهلية منتصف السبعينات. مقابل الخوف والريبة اللتان قوبل بهما النازحون من قبل خصوم الثورة السورية، سعت الأطراف المناصرة لها، أي تيار المستقبل، إلى استثمارهم في صراعاته ضد خصومه الداخليين فرُفع علم الثورة السورية إلى جانب أعلام قوى 14 آذار حين قامت الأخيرة بالهجوم على السرايا الحكومي لإسقاط رئيس الوزراء نجيب ميقاتي بعد مشاركة العديد من الشبان السوريين المعارضيين في هذا الهجوم.

بلاشك، فإن غرق ملف النازحين السوريين في مستنقع خلافات القوى والطوائف اللبنانية انعكس سلباً على أوضاعهم الإنسانية والمعيشية فلم يجر أي توافق على متابعة هذه الاوضاع صحياً وإيوائيا ليُترك النازحون لمصيرهم البائس مع بعض المساعدات الضئيلة من جمعيات مدنية وبعض الأطراف الدولية. وإذا كان الخلاف السياسي والطائفي يعتبر العامل البنيوي لعدم الاعتناء بملف النازحين بالطريقة الواجبة. فإن ضعف إمكانيات الحكومة وهشاشة الوضع الإقتصادي أرخيا بظلالهما على هذا الملف ليعمقان مشكلاته.

نازحو لبنان الذي يعيش نسبة 70 % منهم في مناطق البقاع وعكار والشمال ، لا يريدون أن يكونوا مادة لصراع داخلي لبناني، كل ما يسعون إليه تحسين أوضاعهم المعيشية المزرية وإخراجهم من دائرة التحالف مع هذا الطرف وذاك. لكن ذلك يبدو صعبا في بلد مثل لبنان اعتاد إنتاج خلافاته على وقع تحولات المشهد العربي والإقليمي والدولي. حين تنعدم فكرة المواطنين الذين عليهم واجبات ولهم حقوق، فإن وجود النازحين سيكون عبارة عن عدد يدخل في حسابات هذه الجماعة – الطائفة أو تلك أما لاستثماره لصالحها أو للتعبير عن المخاوف حيال وجوده. المواطنون وحدهم من يحتضن النازحين أما رعايا الطوائف فإنهم تجار مآسي بأشكال مختلفة.

-------------------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة، وإنما تمثل رأي كاتبها