سكان دمشق لا يكترثون للضربة الأميركية

روزنة 

  • دمشق

العالم ينتظر الضربة الأمريكية الموجّهة للنظام السوري، دمشق أيضاً تنتظر أسوة ببقية العالم. قد يكون هذا التوصيف مفاجئاً للبعض، وقد يتخيّل الكثيرون أن ترقّب دمشق للضربة لا بدّ أن يكون من طبيعة مغايرة، فهي الهدف الأول لما تحتوي عليه من مواقع قد تطالها الضربة المنتظرة. لكن دمشق تنتظر بهدوء شديد، وبنوع من اللامبالاة الظاهرة. جزء منها لامبالاة حقيقية، وجزء آخر ينم عن عدم اكتراث مشوب بالخوف.
ربما، لأول مرة منذ الثورة، يتفق جمهور عريض على إظهار هذا القدر من عدم الاكتراث بحدث سوري بات يشغل العالم. جمهور الموالاة يُظهر عدم اكتراثه ظناً منه أن بذلك يتحدى الضربة المقبلة؛ هذا لا يعني غياب الخوف، بل هو تعبير عن المكابرة، المكابرة المعهودة عن نظام البعث، والتي كانت دائماً تغطي على الهزائم بشعارات النصر. خارج الشعارات، بوسعنا رؤية الآلاف الذين يغادرون الحدود السورية إلى لبنان خاصةً، ففي الأيام التي تلت إعلان الرئيس الأمريكي عن نيته في توجيه الضربة غادر الكثيرون من جمهور الموالاة الأثرياء، وفي المقدمة منهم أثرياء الفساد الكبار الذين وصلوا براً إلى مطار بيروت.
الخوف أيضاً موجود في الأحياء الملاصقة لمقرات الأجهزة الأمنية، إذ قد يؤدي ضرب الأخيرة إلى خسائر في الممتلكات وأرواح المدنيين هناك، ويزداد الضغط مع قيام المخابرات وعناصر الجيش باحتلال بعض الأبنية المجاورة وإخلائها من السكان. لم يحدث هذا من أجل حمايتهم، بل لا يمكن الحديث عن أية إجراءات حكومية لحماية المدنيين، أو حتى تقديم النصائح المعتادة في أوقات الحرب لهم. على العكس من ذلك، عمدت قوات المخابرات والجيش إلى الانتشار في مناطق مدنية بعيدة حتى عن مقارها الأصلية، بغية الاحتماء بالمدنيين، ومن دون اكتراث بأرواحهم، والخشية الوحيدة هنا هي أن يتعمد النظام وقوع حجم كبير من الخسائر في صفوف الأبرياء من أجل الادعاء بأن الضربات أوقعت خسائر كبيرة منهم.
على العموم، جربت شريحة جديدة من السوريين معاناة النزوح التي عانى منها ملايين من قبل لأسباب مختلفة. ومع ذلك تبدو المعاناة جديدة أسهل بالمقارنة، إذ ثمة ثقة شبه عامة بأن الضربات الغربية لن تكون عشوائية على منوال الضربات التي يوجهها النظام إلى المناطق الثائرة، ومن هنا فإن النزوح الجديد لا يبدو اضطرارياً إلا للذين يخشون من سقوط النظام بعد الضربات.
في المقلب الآخر؛ لا يُتوقع من المناطق المحررة، التي تُقصف يومياً، أن ترى في الضربة تهديداً لها. بصرف النظر عن الموقف السياسي المعادي للنظام؛ قد تكون الضربات فرصةً لنجاة المزيد من السكان في تلك المناطق، إذا ما أدت إلى إضعاف قوات النظام. في الغوطة الشرقية وفي الأحياء الجنوبية من دمشق هناك ما يزيد عن المليون مدني يعانون منذ أشهر حصاراً خانقاً، ففضلاً عن القصف اليومي المستمر تقوم قوات النظام بمنع الأغذية والأدوية من الدخول. العدو رقم واحد في هذه المناطق هو النظام، وأي إجراء يَعِدُ بالتقليل من معاناة أهلها سيكون مرحباً به، لا لأن الأهالي مع الضربة بالضرورة، ولكن لأن النظام لم يترك لهم خياراً آخر.
العامل الذي قد يكون أكثر تأثيراً من الضربات ذاتها هي المعارك المتوقعة بين الجيش الحر وقوات النظام، والنظام على لسان العديد من أنصاره يبدي استعداداً لهذه المعركة يفوق استعداده للضربة، هذا إن كان مستعداً حقاً للتصدي لها. الجيش الحر لا يخفي نيّته في استغلال الضربة لشن معركة حاسمة في دمشق، والنظام كعادته قد يرد بقصف عشوائي للمناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر؛ هذا التطور إن حدث ربما يكون الأكبر تأثيراً على السكان في المناطق التي بقيت شبه آمنة حتى الآن.
في انتظار ما سيحدث، الحياة شبه اعتيادية في دمشق. سكان المناطق الهادئة يتسوقون الأغذية بوتيرة تزيد عن المعتاد، المارة والسائقون يتبادلون الأحاديث المحايدة عن الضربة، حيث يعمد الكثيرون إلى إخفاء مواقفهم منها. التظاهر بعدم الاكتراث قد يكون أفضل وقاية من تعميم الخوف، لكنه أيضاً عدم اكتراث أصيل لأنه مبني على يقين بأن الضربات محدودة حقاً، ولن تشكّل خطورة إلا على صعيد بعض الخدمات مثل الكهرباء والاتصالات، وهما شهدتا تراجعاً حاداً منذ الإعلان عن الضربة.
لا بدّ أخيراً من الإشارة إلى مصدر رئيسي لعدم الاكتراث، فالسوريون لم يختاروا هذا النظام ليدافعوا عنه، وقسم لا يُستهان به من الذين صمتوا سابقاً عن جرائم النظام لن يبادروا إلى الدفاع عنه الآن. في الواقع، عندما يفقد النظام شرعيته تماماً يصبح بمثابة قوة خارجية، وليس مستغرباً أن ينظر الناس هنا إلى الضربة على حرب من قوة خارجية على نظام خارجي أيضاً؛ هذا إذا استثنينا أولئك الذين يرون فيها خلاصاً.  

--------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة، وإنما تمثل رأي كاتبها.