خشخشة الليرات السورية تفك عقد شعب التجنيد

yekiti

تحقيقات ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ |روزنة - مالك الحافظ

بعد أن أمضى 7 سنوات خارج سوريا، ساعياً وراء رزقه الذي لم يجده في بلده، عاد حسين من غربته في دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى وطنه زائراً في شهر تموز/ يوليو الفائت، مستغلاً الإجازة الصيفية ساعياً لتكون متنفساً حقيقياً له بعد سنوات البعد. 

قصد حسين (حلبي الأصل) مدينة دمشق مع زوجته وأطفاله، وهي المدينة التي شهدت مولده ونشأته وأيام شبابه، استمرت إجازته في دمشق شهرين كاملين، ثم قاربت المدة المحددة في أوراق إقامته في الإمارات على الانتهاء، وباتت لزاماً عليه المغادرة.

تأدية الخدمة العسكرية مرتين

خلال محطة رحلته الأولى قاصداً بيروت ومنها إلى الإمارات، صُدِم حسين بما أخبرته به السلطات الأمنية عند الحدود البرية مع لبنان، بأنه ممنوع من السفر ما لم يكن يحمل وثيقة إذن السفر من شعبة التجنيد التابعة لوزارة الدفاع في الحكومة السورية.

ويتحدث حسين لموقع "راديو روزنة" عن صعوبة الموقف الذي واجهه: "لم أكن أعلم بوجوب حصولي على إذن السفر، لأن هذا الإجراء لم يكن مطلوباً قبل ذلك ولم يخبرني به أحد عند وصولي إلى دمشق، فوجدت نفسي مضطراً إلى ترك زوجتي وأطفالي يسافرون وحدهم، لأنهم لو بقوا معي فسيعني ذلك استحالة دخولهم الإمارات، لأن أوراق الإقامة هناك شارفت على الانتهاء وستكون بحكم الملغاة خلال يومين فقط".

عاد حسين أدراجه إلى دمشق وراسل مديريه في الإمارات لتجديد أوراق إقامته، على أن يراجع سفارة الإمارات في بيروت من أجل تأشير الدخول برقم إثبات الخروج والعودة الجديد، كان عليه أن ينسى مشواره الصعب المقبل في بيروت، لأن وقتاً أصعب ينتظره في دمشق زائراً شعبة التجنيد مرات عدة، ومنتظراً ساعات طوال أمام زحمة الطوابير هناك.

وكانت "إدارة الهجرة والجوازات" في سوريا فرضت في الثاني من شهر أيلول/ سبتمبر الفائت؛ الحصول على "موافقة سفر" من شعب التجنيد في المحافظات؛ للذكور الذين تتراوح أعمارهم بين الـ17 و الـ42 سنة عند مغادرة البلاد، مقابل دفع مبلغ 50 ألف ليرة سورية للمصرف كتأمين خروج، وفتح هذا القرار باباً جديداً للرشاوى وكشف أسلوباً جديداً للفساد يتبعه موظفون في وزارة الدفاع.

يتحدث حسين عن طلب الرشوة منه في شعبة التجنيد التي زارها للحصول على موافقة سفر: "شعبة تجنيدي في حلب، ودفتر خدمة العلم غير موجودين بعد احتراق منزل عائلتي عام 2012، لذا ذهبت إلى شعبة التجنيد العامة في دمشق (حيث أتممت خدمتي العسكرية)".

فوجئ حسين بالرد الذي تلقاه في شعبة تجنيد "الوسيطة" والتي أخبرته أن ملف خدمته العسكرية وأوراقاً أخرى، تعرضت للتلف كما حصل لكثيرين في محافظات سورية عدة، وعرف وأنه لن يجد ضالته في شعبة التجنيد المركزية في حلب، "قالوا لي إنه وبسبب الحرب تم ربط كل شعب تجنيد ريف حلب وبقية المناطق بشعبة تجنيد مركزية في هنانو، وعلموا من خلال المراسلات أن لا وجود لاسمي هناك ولا معلومات عن تأديتي الخدمة العسكرية".

وقع حسين في حيرة وضيق شديد من وضعه الجديد، أوراق إقامته في الإمارات شارفت على الانتهاء وتضعه في مأزق من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يمكنه الخروج من سوريا والعودة إلى عمله لأنه بحكم المحتجز داخل البلاد، اكتشف حسين بعد وقت قصير خلال يومه العصيب أن ما عرضه عليه موظف شعبة تجنيد "الوسيطة" هو وسيلة مبتكرة للاحتيال وباب للارتزاق من شخصيات نافذة في وزارة الدفاع.

"أثناء وقوفي في شعبة التجنيد، حيث أخذت الأفكار تأخذني إلى طريق مسدود، اقترب مني أحد الموظفين في الشعبة، وقال لي إنه يستطيع الاستحصال على موافقة سفر لي، حتى من دون أن يكون دفتر خدمة العلم أو أي سجلات تثبت خدمتي العسكرية".


ويضيف حسين أن موظف شعبة التجنيد أخبره بأن موافقة السفر المطلوبة يمكن أن تصدر، إنما ليس بالمبلغ المعلن عنه "50 ألف ليرة سورية"، بل ستكلفه "350 ألف ليرة سورية" أي سبعة أضعاف المبلغ الذي كان عليه أن يدفعه.

لم يجد حسين خياراً آخر للخروج من المأزق، مما اضطره إلى القبول والموافقة الفورية، مقابل أن يدفع نصف المبلغ قبل المباشرة بأي إجراء لاستصدار الموافقة، على أن يكمل النصف الآخر بعد استلامه الموافقة التي ستكون بمثابة تصريح لإطلاق سراحه داخل بلده والسماح بعودته إلى عمله.

بعد يومين فقط، حصل حسين على موافقة السفر فعلاً، كما لو كان اتبع الإجراءات اللازمة بحذافيرها إلا أن ذلك لم يحصل، بل اكتفى مسؤول شعبة التجنيد بالاتصال بشركائه في حلب وطلب إصدار الموافقة من غير إثباتات رسمية، فكانت الرشوة التي اضطر إليها مفتاح الحل الذي أجبرته وزارة الدفاع على اللجوء إليه.

 

الجيوب المملوءة بالنقود يجب أن تدفع الرشاوى

حالة حسين لم تكن الوحيدة، "سألت الموظف الذي أخذ مني الرشوة، هل ذلك فعلاً يضمن خروجي، فطمأنني إلى أن كثيرين ومن محافظات مختلفة واجهوا هذا المصير، وكان هذا الحل الذي أُجبروا على اختياره هو الحل الوحيد لمشكلة احتجازهم داخل بلدهم".

هشام هو حالة أخرى تواصل معها موقع "راديو روزنة"، وتحدث عن الابتزاز الصريح الذي تعرض له عند مراجعته شعبة التجنيد.

يقول هشام: "ذهبت إلى شعبة تجنيدي في دير الزور بداية الشهر الحالي، وقالوا لي اسمك غير موجود في السجلات لدينا على الإطلاق، وأكدت لهم أنني أنهيت الخدمة العسكرية؛ وأمتلك شهادة في ذلك وأحمل دفتر خدمة العلم معي أيضاً".

إلا أن شعبة التجنيد في دير الزور اتهمته بأن الوثائق التي يحملها مزورة، وقال له الموظف: "السجلات لدينا لا تكذب"، وعَلا صُراخه في وجه هشام، ما اضطره إلى الانسحاب بعد استحالة أن يجد حلاً أو تجاوباً مع مشكلته.

 وقف هشام حائراً في بهو شعبة التجنيد، ليُفاجأ بعد برهة بأن أحد الموظفين الذي كان موجوداً في غرفة إصدار موافقات السفر، اقترب منه وقال له: "أنا جئت كي أنصحك، اذهب إلى دمشق وكن على يقين أنك ستحصل على موافقة السفر ولكن بشرط أن تزيد المبلغ إلى 200 ألف ليرة سورية"، استنكر هشام ما طلبه منه الموظف سائلاً ما الذي يجبره على دفع ثلاثة أضعاف المبلغ الرسمي؛ ما دامت أوراقه مكتملة ونظامية وتتيح له بشكل شرعي المطالبة باستصدار موافقة السفر. 

إجابة الموظف لم تحمل في طياتها أي مجال للشك في ما يذهب إليه موظفو شعب التجنيد في المحافظات السورية؛ من ابتزاز وفساد علني "ألم تقل إنك ستغادر إلى عملك في السعودية، يعني أنك مغترب وجيوبك مملوءة بالنقود، والذي نطلبه منك هو مبلغ بسيط جداً بالنسبة إليك".

اضطر هشام في نهاية الأمر إلى الرضوخ لابتزاز شعبة التجنيد في دير الزور، وطلب من الموظف هناك أن يجهز الإجراءات اللازمة والتواصل مع المسؤول الرئيسي عن عمليات الرشاوى في شعبة تجنيد "الوسيطة"، بينما يسافر هو إلى دمشق ليقابل ذلك الشخص المسؤول عن شبكة الفساد وتلقي الرشاوى؛ من أجل إتمام الاتفاق ودفع كامل المبلغ.

ثلاث ساعات فقط كانت كفيلة ليستلم هشام موافقة السفر، وهي التي كانت تستغرق أكثر من يومين في الأحوال الطبيعية.

مخالفات دستورية صريحة

خالفت وزارتا الدفاع والداخلية الدستور السوري من خلال فرض منع السفر على المواطنين، إلا عبر الحصول على إذن سفر من شعب التجنيد، وذلك وفق رأي المحامي فراس حاج يحيى.

يوضح يحيى لـ"راديو روزنة" عند سؤاله عن التعميم الصادر من إدارة الهجرة والجوازات أن "المادة 38 من الدستور السوري كفلت لكل مواطن الحق بالتنقل في أراضي الدولة أو مغادرتها، إلا إذا منع من ذلك بقرار من القضاء المختص أو من النيابة العامة أو تنفيذاً لقوانين الصحة والسلامة العامة، وكفلت المادة ذاتها أيضاً حق عودة السوريين إلى البلاد".

وتخالف المادة 48 من قانون خدمة العلم، على رغم إقراره بمرسوم رئاسي المادة رقم 38 من دستور البلاد، حيث تنص المادة 48: "لا يسمح للسوريين ومن في حكمهم الذين أتموا السابعة عشرة، ولم يتجاوزوا الثانية والأربعين، مغادرة الجمهورية العربية السورية إلا بموافقة مسبقة من مديرية التجنيد العامة ومناطقها والشعب التابعة لها".

ويتابع يحيى: "وبناء على ذلك لا يحق للمشرع أصلاً إصدار قوانين تمنع سفر الناس أو تضع قيوداً تحد من حرية التنقل، كما فعل في المادة 48 من قانون خدمة العلم التي توجب الحصول على موافقة مسبقة من مديرية التجنيد للسفر".

ويردف خلال حديثه عن ارتكاب مخالفة دستورية في حالة أخرى أيضاً، حيث ينص الدستور على مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية وغيرها، "وهذه تشمل مهل السفر وتعديلاتها والتي تمت بقرارات عدة شملت جميع المكلفين من دون وضع حد لمفاعيل الأثر الرجعي السلبي لهذه القرارات التي طاولت مكلفين جدداً وقدامى"، ويضيف: "ما حدث بعدها من إلغاء لهذا المرسوم؛ يعتبر مهزلة حقيقة ومراهقة تشريعية عبر إصدار قوانين وتشريعات والتراجع عنها لاحقاً وإلغائها، عبر إعفاء المعفى أصلاً".

ويعتبر يحيى أن ما حصل من مخالفات كثيرة للدستور لم يستطيع القانونيون؛ التمييز بينها من حيث الكثرة والرداءة التشريعية.

جباية أموال الشعب

ويندرج هذا التوجه للحكومة السورية ضمن سلسلة من الإجراءات الاقتصادية لسحب العملة السورية من جيوب المواطنين السوريين، بحسب ما أوضحه المستشار المالي والباحث الاقتصادي السوري يونس الكريم لـ"راديو روزنة".

ويشير الكريم إلى أن الحكومة السورية تعاني من مشكلة ورق العملة المطبوع، إذ لم تعد تملك ورقاً مطبوعاً كافياً، بعدما رفضت روسيا طباعة عملة جديدة، والتي كانت تولت طباعتها للحكومة السورية منذ عام 2012، ويرى أن دمشق متخوفة من توحش التضخم في سوريا، ما يعني أن التضخم سيلتهم كل العملة السورية، فضلاً عن أنها تخشى من عقوبات دولية على سوريا وروسيا بسبب طباعة العملة لدى موسكو.

ويضيف الباحث الاقتصادي أن "هناك كمية من العملة المطبوعة موجودة في الخليج وتركيا وفي المناطق الخارجة عن سيطرتها، ولدى تجار دمشق، لذلك فالحكومة تتخوف من طباعة عملة جديدة ما قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي كبير"، ويتابع: "وهناك تخوف دمشقيّ من انهيار الاقتصاد أكثر، ما يعني تبديد فكرة إعادة الإعمار، فإذا كان الاقتصاد ضعيفاً جداً ومتداعياً، فلن تحصل إعادة إعمار".

وكانت صحيفة "الوطن" المحلية أشارت في الشهر الفائت إلى أن القرار الذي صدر عن وزارة الدفاع تم تطبيقه فوراً من دون أي إعلان أو إنذار مسبق، ما أثار حالة من الإرباك على المراكز الحدودية وفي المطار، إذ لم يبلّغ المسافرون به قبل مدة محددة، ومُنِع مئات من المغادرة، ما اضطرهم إلى خسارة حجوزات سفرهم والأموال التي دفعوها، حتى أن بعضهم خسر أعماله.

بينما ذكرت تقارير إعلامية محلية أنه يتوجب على جميع الذكور من مواليد عام 1976 وحتى عام 2001 الحصول على إذن سفر من شعب تجنيدهم، موضحة أن القرار الجديد يشمل من أدى خدمة العلم أو كان مؤجلاً منها، أما الوحيد أو المعفى من الخدمة العسكرية أو الاحتياطية فلا ينطبق عليه هذا القرار.